أفق بعيد
سيف الدين خواجة
& على الرغم من أنني أتمسك بحكمة تعلمتها من علم الصحافة، من الراحل الأستاذ الكبير المصري أحمد بهاء الدين، وهي أن تكون بيني وبين من أكتب عنه مسافة تمنع الابتزاز والابتذال، وتجعل حرية القول متاحة، فإن الراحل أحمد، رغم شهرته، لم يلتقِ الرئيس جمال عبد الناصر إلا مرتين، وذات مرة تحدثت المخابرات المصرية عنه لعبد الناصر، فقال: (خلوه دا رأسه ناشفة)!!!
& سرني جداً عودة الأخ العزيز الأرباب صلاح أحمد إدريس لأرض الوطن، الذي افتقده كثيراً في شتى المجالات، فهو رجل متعدد المواهب والإمكانات، وله باع واسع في أكثر من مجال. فأرحب به ترحيباً حاراً، عسى أن يكون حضوره فأل خير، وأن يتحرك في كل الاتجاهات بديناميكيته المعهودة وأفكاره الثرّة، لعلنا نجد طريقاً ثالثاً، مع آخرين من أهل الحكمة والخبرة، لحل أزمتنا الوطنية الراهنة!!!
& على الرغم من أن غيابه الطويل كان لأسباب معلومة، إلا أن بعض أقلام الزعازع والابتزاز والابتذال أساءت إلى الرجل، وحسناً أنه لم يرد على لقاطات الحصى، لأن الرجل بما يملك من وسائل يعرف مصادرهم ومنابعهم الطينية، ويعرف كيف يرد إن أراد وبشتى الوسائل.
& التقيت الرجل مرتين؛ أولاهما على عشاء سريع في حضرة القطب الكبير محمد بشير حمزة، والأخ عوض شريف رئيس رابطة الهلال في الدوحة، شفاه الله وعافاه، وإلى جانبه محمد حسن خضر أمين الصندوق، وانفضّ السامر سريعاً. ومرة أخرى في استقبال بالمطار بالدوحة، حتى تكاثر عليه خلق كثير، فانسحبت بعد السلام مباشرة، ولم أعد إليه حتى لا أُعتبر طيراً يقع حيث يُلتقط الحب!!!
& لكنني انتقدته حين غادر كرسي الهلال متعجلاً بغير حساب، وتركنا في بلقع نهباً للضياع. وشخصياً، وبحسب ما أعلم عنه من مواهب وإمكانات، خاصة في مجال كرة القدم، حيث يُعد كشّافاً من طراز رفيع، وما يملك من خبرة إدارية، كنت أحسبه المايسترو صالح سليم الذي يضعنا على الطريق الصحيح. لكن الأرباب، رغم احترامنا له، مشى على نفس طريقة الزعيم الطيب عبد الله، وهي طريقة العُمد والشيوخ في المجتمعات الرعوية.
& إضافة إلى ذلك، فإن مواهبه تكالبت عليه في رئاسته للهلال، ولم يستطع أن يعمل وفق رؤية تُحدد الزمن لكل مجال، فاختلط عليه الحابل بالنابل، بالرغم من أن فريق الكرة شهد في عهده تطوراً ملموساً ومحسوساً. لكن كعادتنا السيئة، كل شيء يموت مع صاحبه، لفقرنا المدقع في ثقافة الوطن والدولة، إذ إن العمل في هذه الكيانات يحتاج إلى التراكم، بحيث يكمل اللاحق عمل السابق، وهو ما نفتقده في الدولة وهذه الكيانات، لذلك نفسنا قصير ونظرتنا تحت أقدامنا، ولن نتطور أبداً بهذا المستوى الرعوي من التفكير!!!
& مرة أخرى، أرحب بالأرباب، وأتمنى له إقامة طيبة في وطنه وبين عزوته الصغرى والكبرى، القبيلة والوطن، وأرجو أن تكون فترة غيابه قد أكسبته كثيراً من الخبرات والتجارب والوسائل، لينثر فيض كنانته الفكرية في كل الاتجاهات، محركاً للمياه الراكدة في بحر الوطن الهائج المائج، الذي يحتاج إلى أهل العقل والحكمة والخبرة والتجربة وسعة الأفق ورحابة الصدر. والأرباب، لا شك، من هؤلاء، فأهلاً به في وطنه، وبمكانته المنصورة من الإبداع الخلاق!!!













