داليا الأسد
يُعد هذا المثل من أشهر الأمثال السودانية التي تحث على الاحتراس في الصحبة واختيار الصديق، ويشدد على ضرورة التريث وانتقاء الصاحب الصالح والآمن قبل البدء في خوض أي تجربة أو مشوار (الطريق). فالصديق السيئ قد يضرك في مسيرتك، بينما الصديق الوفي يساندك ويشد أزرك.
ويُضرب هذا المثل لتعزيز قيم الاحترام والتحفظ، ووضع حدود اجتماعية فاصلة؛ فكن متحضرًا مع الجميع، واجتماعيًا مع الكثيرين، ومقرّبًا للقليلين، وصديقًا لفرد واحد، ولا تكن عدوًا لأحد. وهذا يدعو إلى التوازن في العلاقات الاجتماعية، والتهذيب مع الجميع، والاحتفاظ بالصداقة العميقة لعدد قليل جدًا، وتجنب اتخاذ أعداء. وتعكس المقولة مبدأ “الاتزان في التعامل” لتحقيق السلام الداخلي وتفادي الصراعات.
فلا بد من الاحترام والتهذيب العام لكل الناس، وأن يكون التواصل الإيجابي مع المحيط الاجتماعي القويم، وأن نتقن اختياراتنا ضمن دائرة صغيرة من الأصدقاء والمقرّبين، ونثق بهم، وفي الوقت نفسه لا نمنح الثقة المطلقة، وألا نكون أعداءً لأحد، تجنبًا للعداوات والبغضاء.
ومن ذلك نسرد وجوب الاحتراس؛ إذ لا يعني سوء الظن، بل هو “الحذر المحمود” الذي يوازن بين المودة وحفظ النفس من الزلات. ويقتضي الأمر اختيار الصديق الصالح، وكتمان الأسرار التي يُخشى إفشاؤها، والصفح عن هفوات الغفلة، مع الاحتراس من الرفيق المتهاون أو الذي يظهر منه انصراف عن الصداقة، تجنبًا للأذى أو الغدر. ومن هنا ألخص أركانًا للاحتراس في الصحبة:
أولًا: التجربة قبل الثقة؛ فينبغي تجربة الصديق ومعرفة طباعه وأخلاقه قبل إيداعه الأسرار أو الركون إليه بالكلية.
ثانيًا: كتمان الأسرار؛ فضرورة حفظ الأسرار التي قد يسبب إفشاؤها ضررًا أمرٌ مهم، مع تجنب مشاركة كل شيء، فالعاقل لا يأمن كل الأمان.
ثالثًا: التغاضي بوعي؛ أي الصفح عن الهفوات الناتجة عن غفلة أو خطأ، مع الاحتراس من تلك التي تصدر عن “زهد في الصداقة” أو تعمد للإساءة.
رابعًا: التوازن في المعاملة؛ وهو اتباع منهج الحكمة في العتاب والتقارب، بحيث لا يؤدي التبسط المفرط إلى زوال الهيبة أو التعرض للمزالق.
خامسًا: اختيار الرفقة؛ فصحبة الأخيار تورث الخير، بينما صحبة الأشرار تورث الندامة. فالاختلاط بالصالحين يُصلح، والحذر واجب من “الصديق المسموم”.
فالاحتراس لا ينافي حسن الخلق أو إظهار البشر، بل هو أسلوب العقلاء في إدارة العلاقات الإنسانية لضمان ديمومتها وسلامة أطرافها.











