نهلة حسن مهدي العوني
عام 1977 أصدرت المنظمة الدولية لحقوق الإنسان قرارًا يدعو دول العالم إلى الاحتفال بيوم المرأة العالمي في 8 مارس من كل عام، كما أصدرت الأمم المتحدة قرارًا دوليًا في سنة 1993 ينص على اعتبار حقوق المرأة جزءًا لا يتجزأ من منظومة حقوق الإنسان العالمية والاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية.
باقات ورود للرائدات والأمهات والزوجات والأخوات اللائي بذلن الغالي والنفيس لننعم بنسائم العزة والكرامة والرفعة. وهي مناسبة تحتفل بها المجموعات النسائية في العالم، وفي الأمم المتحدة قررت بلدان عديدة جعله يوم عيد وطني تحتفل فيه النساء من جميع القارات، واللاتي تفصل بينهن الحدود الوطنية والفروق العرقية واللغوية والثقافية والاقتصادية والسياسية، للاحتفال بيومهن.
وفي هذا اليوم يتم استعراض تاريخ نضال المرأة من أجل العدل والسلام والتنمية على امتداد قرون. وهو قصة المرأة العادية صانعة التاريخ، التي يعود أصلها إلى نضال المرأة من أجل المشاركة في المجتمع. إنه يوم للتأمل في التقدم المحرز، ويوم للدعوة إلى التغيير والاحتفال بشجاعة عوام النساء اللواتي اضطلعن بدور استثنائي في تاريخ بلدانهن ومجتمعاتهن وما يبدينه من تصميم.
كما أنه مناسبة لوضع رؤية لعالم تستطيع فيه كل امرأة وفتاة ممارسة خياراتها، مثل المشاركة في الحياة السياسية، والحصول على التعليم ومصدر الدخل، والعيش في مجتمعات خالية من العنف والتمييز. وهو يشكل فرصة لتقييم ما أنجزته المرأة بفضل شجاعتها وتشجيع المجتمع لها، ورغم العديد من الإنجازات لا تزال هناك ثغرات خطيرة. ويمثل عام 2026 عامًا محوريًا لتقييم التحديات المقبلة وإيجاد السبل لتفعيل التغيير وتشجيع جميع الطوائف الدينية والاجتماعية للقيام بدورها.
ورغم ما يعيشه إنسان اليوم في عصر الحداثة والعولمة، لم يستطع هذا التقدم أن يهدي إلى بعض النساء الرفق والمحبة والسلام، بسبب الأفكار المتشددة والحروب الكارثية وما تخلفه من ثقافة العنف والاغتصاب. كما لم يمنع عنها التهميش والإقصاء في بعض المجتمعات بسبب النظرة القاصرة والعادات والتقاليد والأفكار والأمثال التي تحمل في طياتها الدونية التي يتداولها الناس في المجتمع.
فتعيش بعض النساء البؤس وتتعرض للاستغلال الجسدي على يد ذوي النفوس الضعيفة، وهو وباء متفشٍ، كما تتعرض للعنف في سوق العمل والحرمان من الأجور. وتُمنع من التعليم، ويُمارس عليها الختان، ولا تزال تقبع تحت سطوة الأبوة المتسلطة، كما في زواج القاصرات، لما فيه من حرمان لحقها في الاختيار، وما أثبته العلم من مخاطر نفسية وصحية بسبب متطلبات تفوق مداركها وفوارق العمر بينها وبين زوجها.
ولابد من دور للنخب الدينية والفكرية الواعية في التنديد العلني ورفض الأفكار والتقاليد التي تحط من شأن المرأة وتنقص من آدميتها.
وفي هذا اليوم نحيي المرأة العربية وهي تقدم الشهداء، ونحيي حواء السودان التي أنجبت وجاهدت وناضلت من أجل أن يكون السودان هو البلد الحاضن لكل أبنائه. فقد خرج من رحمها الطاهر الأفذاذ الذين نشروا العلم والمعرفة في أنحاء العالم.
فالمرأة السودانية تاريخ مليء بالإنجازات، سطرت اسمها بأحرف من نور، واستطاعت تطوير قدراتها، وطوال تاريخها الطويل الشاق والمتعرج لم تقف مكتوفة الأيدي رغم ما يحيط بها من ظروف اجتماعية، وشاركت في كل نضالات الشعب السوداني، وحملت على عاتقها مشقة العمل من أجل قضايا المرأة ونصرتها دون كلل أو ملل.
فكان نتاج ذلك غرسًا طيب الشذى، رسمت بصماته العطرة التي تعجز السطور عن الوفاء لها. فقد ساهمت المرأة السودانية جنبًا إلى جنب مع الرجل في معركة نيل الاستقلال وتوعية الأجيال، خروجًا في مواكب واستشعارًا لمسؤولياتها، فتقلدت مختلف المناصب وأسست الجمعيات النسوية للنهوض بالمرأة وإعدادها للقيام بدورها الاجتماعي والوطني.
لذا تشكلت ثقافة المرأة السودانية وسلوكياتها من كل هذا الخليط الثر، فصنعت منه كيانًا متفردًا بها. فقد تقدمت الصفوف تنشد وتبث الحماس في صفوف المقاتلين؛ فـمهيرة بت عبود نموذج طيب يُذكر كلما ذكر دور نساء خالدات، وكذلك رابحة الكنانية، حواء الطقطاقة، السريرة مكي الصوفي، ومثيلاتهن كثيرات، فلا تخلو مدينة أو قرية من امرأة فاضلة كان لها أثر ودور قيادي.
كما يحدثنا التاريخ القريب عن رائدات استطعن أن ينتزعن للمرأة السودانية الكثير من حقوقها، كالحق السياسي الكامل، والمطالبة بالمساواة في الأجور وحق العمل وتحسين النفقة للمطلقة، متقدمات على دول كثيرة في هذا المجال.
ولا يسع المجال لذكرهن جميعًا، لكن من بينهن: الدكتورة خالدة زاهر، فاطمة أحمد إبراهيم، الأميرة مندي بنت السلطان عجبنا، الملكة أماني ريناس، سعاد الفاتح، نفيسة محمد الأمين، د. فاطمة عبد المحمود، د. زوري سركسيان، ملكة الدار محمد أحمد، آمال عباس، بخيتة أمين، روضة الحاج، عائشة الفلاتية، تحية زروق، ليلى المغربي، وعوضية “سمك”… ذلك العقد النضيد من نساء بلادي الرائدات.
اللاتي استطعن إضاءة الطريق لبنات حواء وفتحنا الباب على مصراعيه، وساهمن في تنوير المرأة وتعليمها ومحاربة الجهل والعنف والتمييز، ونقل المرأة من المحلية إلى العالمية، فشاركن في التنظيمات العربية والإقليمية والأفريقية.
كل عام ونساء بلادي بخير،
كل شهر ونساء بلادي يعلمننا معنى الصمود،
كل أسبوع ونساء بلادي يربتن على أكتاف أبنائهن كي يشتد العود،
كل يوم ونساء بلادي شامخات صامدات رائدات على الطريق.
دامت المرأة السودانية رمزًا يعلو ويرتقي.













