“يا صائم قوم اتسحر”… نداء قديم ما زال يتردد في القرى
محمد عبدالرحمن “ميدي”
«يا صائم قوم اتسحر»… بهذه الكلمات يبدأ المسحراتي في السودان جولته لإيقاظ النائمين لتناول جرعة ماء وبعض الطعام استعداداً لصيام يوم جديد في الشهر الفضيل. غير أن هذه الكلمات لم تعد تُسمع كثيراً في كبرى المدن السودانية، إذ خبا حضور المسحراتي فيها مع مرور الزمن، بينما ما زال الريف السوداني يحافظ عليه كطقس رمضاني أصيل من التراث الديني والاجتماعي.
في القرى، يجوب المسحراتي الشوارع والأزقة ليلاً وهو يطرق على «النوبة» أو أدوات نحاسية، فتتردد كلماته المنغمة لتصل إلى البيوت، معلنة اقتراب وقت السحور. وقد ساهمت عدة عوامل في تراجع هذه الظاهرة في المدن، من بينها انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية التي تدفع كثيراً من الناس للسهر حتى ساعات الفجر الأولى، ما يقلل الحاجة إلى من يوقظهم للسحور.
ويرى مختصون في التراث الشعبي أن استمرار المسحراتي في الريف يعود إلى طبيعة الحياة هناك؛ إذ ما زال الليل هادئاً والنوم مبكراً كما كان في الماضي، كما أن تقارب المنازل يسهل على المسحراتي أداء دوره التطوعي. ويحرص سكان القرى على إبقاء هذه العادة حية حفاظاً على أجواء رمضان القديمة واستحضار روح الشهر الفضيل.
ولا ينتمي المسحراتي في الريف السوداني إلى فئة عمرية محددة؛ فكثيراً ما يتولى الشباب هذه المهمة بصحبة أصدقائهم، مرددين أهازيج تراثية وعبارات مألوفة مثل: «اصحى يا صايم وحد الدايم»، مع أصوات النحاس أو الأواني البلاستيكية التي تضفي إيقاعاً خاصاً على الجولة الليلية.
ويجد الشباب متعة في ترديد المدائح النبوية أثناء التجوال، فيما يتجاوب سكان الأحياء معهم ويقدمون لهم بعض الأطعمة، فيتحول السحور إلى لحظات اجتماعية دافئة تعيد إحياء روح التراث.
ويستحضر كثير من السودانيين ذكريات المسحراتي بوصفه جزءاً من ذاكرة الطفولة، كما كان الحال مع أشهر مسحراتي في أم درمان، الراحل الحاج سالم، الذي عُرف بترانيمه المصحوبة بالطبل لإيقاظ سكان المدينة في ساعات الفجر الأولى.













