جانا العيد وأنت بعيد.. قصة الأغنية التي أبكت السودان
من أمام قبر الأب.. وُلدت أغنية خلدها الزمن
النور مدرسة مختلفة في الغناء السوداني
عبدالمنعم هلال ـ آكشن سبورت
ـ في تاريخ الغناء السوداني أصوات كثيرة مرت وتركت أثراً، لكن هناك أصواتاً قليلة جداً استطاعت أن تصنع بصمة خاصة ومختلفة، ومن بين هذه الأصوات يبرز اسم الفنان النور الجيلاني الذي ظل واحداً من أكثر الفنانين حضوراً في وجدان السودانيين، ليس فقط بصوته بل بروحه المتدفقة بالحياة وأسلوبه المختلف في الأداء والغناء.
ـ النور الجيلاني لم يكن مجرد مطرب يؤدي أغنيات جميلة، بل كان ظاهرة فنية كاملة؛ فنان يكتب ويلحن ويغني ويتحرك على المسرح بطاقة هائلة جعلته قريباً من قلوب الناس، خاصة الشباب.
ـ وُلد النور الجيلاني في أربعينات القرن الماضي بمنطقة أبو حليمة، تلك المنطقة الهادئة الواقعة على ضفاف النيل شمال الخرطوم بحري. وفي تلك البيئة البسيطة تشكل وجدان النور الجيلاني الفني، فكانت الطبيعة دائماً حاضرة في أغنياته وصوره الشعرية.
ومنذ صغره ظهرت عليه ميول فنية واضحة، فكان مولعاً بالموسيقى ويتعامل مع الآلات الموسيقية بشغف كبير، خاصة آلة الماندولين التي أحبها وأدخلها بقوة في الموسيقى السودانية الحديثة.
ومع مرور الوقت بدأ صوته يلفت الانتباه في الجلسات والحفلات الصغيرة، حتى أصبح واحداً من الأصوات الصاعدة التي وجدت طريقها سريعاً إلى الإذاعة السودانية والجمهور.
فنان مختلف
ـ عندما ظهر النور الجيلاني في الساحة الفنية في سبعينات القرن الماضي كان مختلفاً عن كثير من الفنانين في تلك الفترة.
فهو لم يكن يقف على المسرح بهدوء كما اعتاد الناس، بل كان يغني بحركة وحيوية وتفاعل كبير مع الجمهور، لذلك أطلق عليه البعض لقب (طرزان) بسبب حضوره القوي على المسرح.
كما تميز بأسلوب موسيقي متجدد، حيث مزج بين الإيقاعات السودانية التقليدية وبين لمسات حديثة في التوزيع والأداء، فكانت أغنياته مليئة بالحياة والطاقة.
ـ قدم النور الجيلاني عشرات الأغنيات التي ظلت عالقة في ذاكرة السودانيين مثل: فيفيان / الذكرى المنسية / العصفور / الكون كلو بدور / سواح / كدراوية / وجانا العيد.
لكن من بين كل هذه الأغنيات ظلت أغنية (جانا العيد وأنت بعيد) تحمل مكانة خاصة جداً، لأنها ليست مجرد أغنية، بل حكاية إنسانية مؤثرة.
ميلاد أغنية من قلب المقابر
تحكي القصة أن والد النور الجيلاني توفي في العشر الأواخر من شهر رمضان، وهو وقت شديد الحساسية في وجدان الناس، حيث يقترب العيد وتتهيأ النفوس للفرح.
لكن بالنسبة للنور الجيلاني جاء العيد وهو يحمل حزناً ثقيلاً بعد فقدان والده. ومن العادات الراسخة زيارة المقابر في صباح أول أيام العيد، حيث يذهب الناس لزيارة موتاهم والدعاء لهم بالرحمة.
وفي صباح العيد ذهب النور الجيلاني إلى مقابر أبو حليمة لزيارة قبر والده. وقف هناك طويلاً أمام القبر واضعاً يديه عليه، وكأنما يريد أن يستعيد حضور الأب الذي كان يملأ حياته دفئاً. وفي لحظة امتزج فيها الحزن بالحنين قال بصوت مكسور:
(جانا العيد وأنت بعيد).
كانت تلك الجملة البسيطة هي الشرارة الأولى للأغنية.
ومن ذلك المشهد المؤثر وُلدت واحدة من أكثر الأغنيات صدقاً في تاريخ الغناء السوداني. لم تكن كلمات مصنوعة في مكتب شاعر، بل كانت صرخة قلب خرجت من قلب ابن يقف أمام قبر أبيه في صباح العيد.
جانا العيد وأنت بعيد
أبيت ما تعود تبارك العيد..
ـ يفتتح النور الجيلاني الأغنية بصورة موجعة.
العيد جاء، لكنه جاء ناقصاً، فالذي كان يعطي العيد طعمه الحقيقي غاب ولن يعود.
كلمة (أبيت) هنا تعبر عن استحالة العودة، وكأن الموت أصبح حاجزاً لا يمكن تجاوزه.
جونا الناس بقولوا تهاني
بخيت وسعيد تتحقق أماني..
ـ الناس حوله يحتفلون ويقدمون التهاني كعادة كل عيد، لكن تلك الكلمات لا تجد طريقها إلى قلبه، لأن الفرح لا يمكن أن يكتمل في ظل الغياب.
هنا يرسم النور الجيلاني صورة إنسانية مألوفة جداً: أن تكون وسط الفرح لكن قلبك بعيد.
لقوك بعيد في بلد تاني
غربة علي وجرح جواني..
ـ يستخدم هنا استعارة جميلة للموت، فهو لا يقول إن والده مات، بل يقول إنه ذهب إلى بلد أخرى.
وهذا التعبير يعكس رؤية إنسانية عميقة للموت كأنه سفر طويل وغربة بعيدة، لكن هذه الغربة تركت في داخله جرحاً لا يندمل.
إن شاء الله بلقاك وصاك زماني..
ـ في هذا البيت يظهر الأمل الإيماني، فهو يتمنى أن يجمعه الزمن بوالده مرة أخرى، وهنا تتحول الأغنية من مجرد رثاء إلى تعبير عن الرجاء في اللقاء الأبدي.
جانا العيد وأنت مافي
لا فرح طلل قوافي..
ـ حتى الشعر والكلمات لم تعد قادرة على التعبير عن الفرح.
القوافي التي كانت تصنع الأغاني الجميلة أصبحت عاجزة.
لا حزن فارق مرافئ
لا حنان يا حليلو دافئ..
ـ الحزن هنا لم يعد عابراً، بل أصبح مقيماً في القلب، ويظهر الحنين الكبير لحنان الأب، ذلك الحنان الدافئ الذي لا يعوضه شيء.
لا زمان كان لي وافى..
ـ وكأن الزمن نفسه تغير بعد رحيل الأب، فالأيام لم تعد كما كانت.
جاتنا طيور شايلة أفراحا
وشايلة الريد وحنان في جناحا..
ـ الطيور هنا رمز للفرح الذي يأتي مع العيد، لكن هذا الفرح يبدو غريباً في ظل الغياب.
كاسوا عليك كل الساحة
فقدوا عينيك الضاوية سماحة
رحلوا بعيد والدروب رواحة..
ـ الناس ملأوا المكان بالفرح وفتشوا عليك في كل حتة، لكن العين التي كانت تضيء المكان بالسماحة والألفة والطيبة غابت وانزوت. والعين هنا رمز للأب الذي رحل بعيداً في درب رواح لا رجعة فيه.
لماذا بقيت هذه الأغنية في الذاكرة؟
لأنها ببساطة ليست أغنية عيد عادية؛ هي أغنية تتحدث عن شعور يعرفه كل إنسان: أن يأتي العيد ويكون هناك شخص كان دائماً جزءاً من فرحته، لكنه لم يعد موجوداً.
لهذا السبب، كلما جاء العيد يتذكر السودانيون هذه الأغنية ويشعرون أنها تعبر عنهم وعن أحزانهم الصغيرة والكبيرة. لقد غنى النور الجيلاني الفرح كثيراً، لكن في هذه الأغنية غنى وجع الفقد بطريقة صادقة جعلتها تعيش طويلاً في الوجدان.
وهكذا تحولت جملة قالها فنان شاب أمام قبر والده في صباح العيد إلى واحدة من أجمل وأصدق الأغنيات في تاريخ الغناء السوداني.
وندعو الله أن يكتب الشفاء للفنان المبدع النور الجيلاني ويمتعه بالصحة والعافية بعد تعرضه في عام 2013 لمرض أصاب حباله الصوتية وأفقده القدرة على الكلام والغناء لفترة طويلة، وهو ما شكل صدمة كبيرة لمحبيه وجمهوره. ورغم ذلك ظل اسمه حاضراً في الوجدان السوداني باعتباره واحداً من أهم رموز الغناء السوداني.













