مواقف وسوالف
خالد الضبياني
لم يكن التنافس بين الهلال السوداني والمريخ يومًا مجرد مباريات تُلعب داخل المستطيل الأخضر، بل كان على الدوام مرآةً تعكس حال كرة القدم السودانية بكل تفاصيلها؛ قوةً وضعفًا، وعيًا وتعصبًا، طموحًا وتراجعًا. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ما زال هذا الصراع صراع قمة، أم أنه تحول تدريجيًا إلى صراع بقاء؟
في الماضي، كان “الديربي” السوداني عنوانًا للإثارة الكروية الحقيقية، حيث التنافس الفني العالي، والنجوم القادرون على صناعة الفارق، والجماهير التي تملأ المدرجات شغفًا وحبًا للعبة. أما اليوم، فقد تراجع المشهد في كثير من جوانبه، ليس فقط على مستوى الأداء، بل في الروح العامة التي تحيط بالمنافسة.
أحد أبرز أسباب هذا التراجع يتمثل في التعصب المتصاعد، خاصة في الوسط الإعلامي. فقد خرجت بعض المنابر من دورها المهني في التحليل والنقد الموضوعي، لتتحول إلى منصات انحياز صريح، تدافع عن هذا الطرف أو تهاجم ذاك، دون اعتبار لقيم المهنية أو مصلحة الرياضة. هذا الخطاب المشحون لا يكتفي بتأجيج الخلاف، بل يزرع ثقافة الانقسام، ويغذي عقلية “نحن ضدهم” بدلًا من ترسيخ روح التنافس الشريف.
الجماهير بدورها لم تكن بمنأى عن هذا التأثير، فمع تزايد الخطاب الإعلامي المتعصب، أصبح كثير من المشجعين يتبنون مواقف أكثر حدة، تصل أحيانًا إلى التعصب الأعمى، حيث يُلغى المنطق، وتُغيب الحقيقة، ويصبح الانتماء للنادي مبررًا لرفض أي نقد، حتى وإن كان في مصلحة الفريق نفسه. وهنا تكمن الخطورة، لأن التعصب لا يضر بالمنافس فحسب، بل يضر بالفريق الذي يُدافع عنه المشجع دون وعي.
والنتيجة؟ بيئة رياضية متوترة، تضغط على اللاعبين، وتُربك الإدارات، وتُفقد المباريات متعتها الحقيقية. اللاعب الذي يفترض أن يبدع داخل الملعب، يجد نفسه تحت ضغط جماهيري وإعلامي هائل، لا يسمح له بالخطأ، ولا يمنحه فرصة التطور. والإداري الذي يحتاج إلى قرارات هادئة ومدروسة، يصبح أسيرًا لردود الأفعال والانفعالات.
في ظل هذا الواقع، لم يعد الصراع بين الهلال والمريخ صراع قمة خالصًا كما كان، بل أصبح في كثير من الأحيان صراعًا للحفاظ على التوازن، واستعادة الهيبة، والبقاء في دائرة التأثير. فالقمة لا تُقاس فقط بنتائج المباريات، بل بجودة الأداء، ورقي الخطاب، واستقرار المنظومة.
إن إعادة هذا التنافس إلى مساره الصحيح تبدأ من الإعلام، الذي يجب أن يستعيد دوره التنويري، ويضع المهنية فوق الانتماء. كما تتطلب وعيًا جماهيريًا يدرك أن حب النادي لا يعني تبرير الأخطاء، بل السعي لإصلاحها. فالتنافس الحقيقي لا يُبنى على الكراهية، بل على الاحترام والرغبة في التفوق.













