هلال وظلال
عبد المنعم هلال
ـ لم يعد (الفار) في أفريقيا تلك العدسة العادلة التي تنصف المظلوم وتعيد الحقوق إلى أصحابها، بل تحوّل في كثير من الأحيان إلى حفّار يحفر حُفراً عميقة يدفن بداخلها العدالة بدلاً من أن ينقذها.
ـ التقنية التي جاءت لتقليل الأخطاء البشرية أصبحت، في واقعنا الأفريقي، تضاعف الجدل وتفتح أبواب الشك على مصراعيها.
ـ في البطولات الأفريقية الأخيرة، لم يكن الجدل حول التحكيم مجرد حالة عابرة، بل صار سمة ملازمة، حتى في أكبر المحافل مثل كأس الأمم الأفريقية. لاحقت القرارات التحكيمية وتقنية الفار موجة انتقادات حادة بسبب تضارب القرارات وغياب الاتساق، خاصة في الحالات التقديرية كضربات الجزاء. بل إن بعض المباريات الكبرى شهدت قرارات أثارت احتجاجات وصلت حد الانسحاب من الملعب، كما حدث في نهائي أمم أفريقيا 2025، الذي طغت عليه قرارات مثيرة للجدل مرتبطة بالفار والتحكيم.
ـ أما على مستوى الأندية، فالألم أكبر، لأن الظلم هنا لا يُمحى بسهولة، والجماهير لم تعد تثق في عدالة التقنية بعد قرارات وُصفت بالخيالية، كاحتساب ركلات جزاء مشكوك فيها أو إلغاء أهداف صحيحة بعد العودة للفار. والمفارقة أن الفار، الذي يُفترض أن يصحح (الخطأ الواضح)، أصبح يُستخدم في حالات رمادية تُترك فيها الكلمة الأخيرة لتقدير بشري قد يكون أكثر خطأً من القرار الأول، وأصبح يرتهن لأهواء من يجلس أمام شاشته ويضغط على أزراره.
ـ حكم الفار في واقعنا ليس آلة صمّاء، بل إنسان يجلس خلف الشاشة، يرى اللقطة من زوايا متعددة، لكنه في النهاية يختار الزاوية التي يريد والتفسير الذي يراه، وهنا تكمن الخطورة؛ يمكن أن يحابي، ويمكن أن ينحاز، ويمكن أن يتلاعب، كما حدث في مباراة الهلال ونهضة بركان.
ـ جماهير الهلال ليست وحدها من تشتكي، لكن وجعها أكبر حين ترى فريقها يدفع ثمن قرارات لا تُفهم ولا تُفسر ولا تُراجع بشفافية، وهنا يتحول الفار من أداة إنصاف إلى أداة إحباط.
ـ الأخطر من ذلك أن الأزمة لم تعد تقنية فقط، بل أصبحت أزمة ثقة، ومسؤولو الكرة الأفريقية أنفسهم أقرّوا بوجود (مشاكل ثقة ونزاهة) داخل المنظومة، وهو اعتراف خطير يفتح الباب أمام تساؤلات أكبر: هل الخلل في التقنية؟ أم في من يديرها؟ أم في البيئة التي تعمل فيها؟
ـ عندما يشعر الجمهور أن الفار يُستخدم بانتقائية، وأن القرار يمكن أن يتغير حسب (الزاوية) أو (الرغبة)، فإن اللعبة تفقد روحها، وعندما تُربط بعض القرارات بمصالح أو نفوذ، فإن الفار يتحول من حكم مساعد إلى أداة ضغط.
ـ الحقيقة التي لا يريد البعض الاعتراف بها أن الفار في أفريقيا لا يزال أسير العنصر البشري، وهذا العنصر إن دخله الفساد فلن تنقذه ألف كاميرا؛ فالتقنية لا تظلم، ولكن من يُديرها قد يفعل.
ـ في أفريقيا، حيث تعاني المنظومة الكروية من أزمات ثقة قديمة، جاء الفار ليزيد الأمور تعقيداً بدل أن يحلها، لأن العدالة لا تتحقق بكثرة الكاميرات، بل بنزاهة من يديرها ويشاهدها. وإذا دخل الفساد من (جحر كبير)، فلن تمنعه الشاشات ولا الأجهزة.
ـ الفار في أفريقيا يمكن أن يحابي، ويمكن أن ينحاز، ويمكن أن يتلاعب، وما لم تُصلح المنظومة، سيظل (الفار) حفّاراً لا للعدالة، بل للثقة في كرة القدم.
ـ عندما يطل (الدولار) على شاشة (الفار)، تزوغ (الأبصار).
ـ في النهاية، لن يُصلح الكرة الأفريقية (فار) ولا (فيران) ولا حتى (جقور)، إن لم تصلح منظومة كاملة تعاني من خلل عميق؛ فالعدالة لا تُشترى بالتكنولوجيا، بل تُبنى بالنزاهة.
ـ الفار في أفريقيا لا يعرف إلا لغة واحدة؛ ليست قوانين اللعبة، بل ما يدور خلف الكواليس وما تخبئه (الظروف).












