داليا الأسد
حنين الرجوع بعد النزوح هو حالة نفسية ووجدانية عميقة، تمثل اشتياق النازحين لاستعادة حياتهم القديمة ومنازلهم وأمانهم المفقود. رغم آلام الدمار وتجربة التهجير القاسية، يبقى الأمل في العودة راسخاً، مدفوعاً بذاكرة المكان والروابط الاجتماعية، لأن العودة غالباً ما تكون محفوفة بمخاطر أمنية واقتصادية، لكنها تظل مطلباً إنسانياً يربط الإنسان بوطنه، لأن حنين العودة يرتبط بالرغبة في الاستقرار والعودة إلى عش الحياة القديم، والهروب من ضجر وقسوة النزوح.
فالتمسك بالأرض والإصرار على العودة، رغم أن العودة قد تكون إلى ركام، ولا يعوّض الأرض مكان آخر، فهذا مرتبط بالعامل النفسي والارتباط الوثيق بالماضي والذكريات، حيث يشكل المكان ركناً أساسياً في البناء النفسي للفرد، ومنه يواجه تحديات العودة. وأيضاً يواجه العائدون مشهداً مدمراً، وقرى مهجورة، وتغيرات في النسيج الاجتماعي داخل الأحياء، على أمل رغم الألم، ويرى الكثيرون في العودة قيامة جديدة للحياة بعد الحرب.
فالارتباط بالأرض يظل الحنين القوي والمحرك الأساسي للمقاومة بالكلمة أو القلم أو الفعل، فتظهر في تجارب العودة غصة الحزن التي ترافق الفرح، خاصة عند توديع قبور الأحبة الذين قضوا في رحلة النزوح أو لم يشهدوا لحظة الرجوع.
ومن هذا تجتاح الخرطوم هذه الأيام موجة عارمة من الفرح مع عودة مئات الآلاف من النازحين إلى ديارهم بعد رحلة نزوح قاسية استمرت ثلاث أعوام.
فمن أبرز ملامح هذه العودة الأجواء المصاحبة لها، حيث نجد أن أرقام العودة قد سجلت من الأمم المتحدة والمنظمة الدولية للهجرة عودة أكثر من 1.3 مليون نازح إلى الخرطوم حتى فبراير 2026، وشهدت مناطق مثل الجريف غرب استقبالات للعائدين من دول الجوار (مثل مصر) ومن الولايات الأخرى، وسط زغاريد وصيحات فرح عمت المنازل والشوارع، واحتفل السودانيون في الخرطوم بـ عيد الفطر (مارس 2026) في أجواء من السكينة والطمأنينة لأول مرة منذ سنوات، حيث لم تعد الشوارع ساحات قتال، وظهر التعافي في الخدمات.
ساهمت عودة الكهرباء تدريجياً، وبدء تشغيل بعض الخدمات الأساسية مثل مطار الخرطوم، في تشجيع الأسر على الاستقرار مجدداً، وضجت وسائل التواصل الاجتماعي بمقاطع توثق لحظات مؤثرة، مثل طفل سوداني يعبر عن فرحته الغامرة بدخوله منزل عائلته من جديد، ومشاهد عودة الحميمية لـ “القعدات” والجلسات الاجتماعية في أحياء المدينة. وبالرغم من هذه الفرحة، لا يزال الوضع يوصف بالهشاشة، مع استمرار التحديات الاقتصادية والحاجة لموارد إغاثية لدعم العائدين وبناء ما دمرته الحرب.
فإعادة إعمار الخرطوم والتعافي من الأزمات الحالية يتطلب عزيمة راسخة وصبراً طويلاً وتكاتفاً وطنياً قوياً، وتشير المبادرات إلى أن تجاوز التحديات الحالية يبدأ بالعمل المشترك، والظن الحسن بالله، والإيمان بقدرة السودانيين على النهوض من جديد. وبذلك تكون النقاط الأساسية لتعمير الخرطوم هي في الصمود الوطني وتجسيد معاني العزيمة للتعافي، وبالتكاتف والعمل الجماعي، لأن الإعمار رحلة طويلة تحتاج جهود الجميع (يداً بيد) لتعود الخرطوم أقوى، والتركيز على إرجاع مظاهر البهجة ومسح الآلام والعمل على استعادة الحياة الطبيعية.
وأيضاً لا ننسى دعم القوات المسلحة التي كانت هي صمام الأمان، ودور أبطال القوات المسلحة في حماية الأرض وإرساء دعائم الأمن، لأنه المحور الأساسي الذي جعل الخرطوم تعود بعنفوانها، وبفضل تصميم أبنائها على صنع النصر وإعادة بناء الوطن، فدمت يا وطني عزيزاً أبياً رغم كيد الخونة والمتربصين.













