محمد صالح عبدالله يس
يقال: إن نسيت مكان البذور التي بذرتها يوماً ما، سيخبرك المطر أين زرعتها (كان نسيتي بكان دفنتي تيرابك مطرة كان صبت تلقي بكانو). ها أنذا أعود لأصيغ الكلمات والجمل البدائية من أبجدية الزمان إلى مقام العشق القديم، والقصص والحكايات الملهمة عن عظماء سطروا مفاخر عظيمة في حياتهم ثم رحلوا كالنيازك العابرة، فلمعت أسماؤهم على الإنسانية بأبهى الأضواء، وتشرنقت كلماتهم وأحاديثهم واكتملت دورة حياتها، وتخلقت قيماً عظيمة سارت بها الركبان السهلة عندما كانت الحياة تنبجس من ينابيع الفرح وأيقونة المحبين الذين كانوا لنا عناوين بارزة في حياتنا.
الفاشر، في أحيائها القديمة، وُلدت عبقريات لم تكن صدفة بل ثمرة بيئة تعرف كيف تحتضن الاختلاف وتحوله إلى طاقة إبداع. هنا تعلّم الناس أن التنوع ليس تهديداً بل فرصة، وأن التعدد ليس انقساماً بل ثراء. لذلك صارت الفاشر كتاباً مفتوحاً؛ كل حيّ فيه فصل وكتاب، وكل سوقٍ قصة، وكل بيتٍ ذاكرة.
في حي كفوت والوكالة، وفي حي الطريفية والهوارة التي تنام في أمان التداخل بين الجوامعة، وحي المعهد المتمدد والمتعانق مع حي الجيل، ودا وتلاقي من برنجية إلى حلة زنقو وحلة برنو وتومباسي، حكايات وقصص معبقة بأمثولات التاريخ النابط بالحياة. أولاد الريف هي صانعة الذكريات، وهي مضغة من حضارة النيل وتاريخها الباذخ. يتأبط حي التكارير حي الزيادية، ويتواصلا خلوداً مع حي الاسبتالية وحي الثانوية العريق العريق، يضاحك حي كاكوم بحر العلوم وعنوان، حيث يلتقي الإمام عبد الماجد وأبو اليمن في تلاقي روحي ينتهي بفتوة الإمام الصفتي ومجالس حلقات مسجد الفاشر الكبير الشامخ منذ عشرات السنين.
الفاشر مدينةٌ تشبه التاريخ حين يكون حياً، وتشبه المستقبل حين يكون ممكناً. مدينة صنعت الذكريات لأنها عرفت كيف تحترم الإنسان، وصنعت العبقريات لأنها عرفت كيف تفتح أبوابها وذراعيها للقادمين من أصقاع السودان وأعماق أفريقيا وخط الاستواء. فالفاشر ليست مجرد جغرافيا من حجرٍ وطين، بل هي ذاكرة حيّة تمشي على أقدام الزمن ومختبر كبير تصنع فيه التجارب الإنسانية أعظم حكاياتها.
في شوارعها القديمة تتجاور خطوات التجار مع أحلام الشعراء ورواد الفن، وعلى أرصفتها تنمو الأفكار كما تنمو الأشجار، بينما تهمس جدرانها بقصص الذين مرّوا من هنا وتركوا شيئاً من أرواحهم وذكرياتهم. فقد ترك دكتور محي الدين، وعادلة شاشاتي، ودكتور معتصم، ودكتور حسين أبو صالح، وإمام دوليب، والأستاذة إيفون إسحق، ومصطفى خليل، ومبارك المغربي، واللواء أبو قرون، جميعهم تركوا ذكرياتهم ونحتوها في قلوب الجميع، ثم مضى منهم من مضى وتركوا لنا قساوة التذكار في قلوبنا.
الفاشر مدينةٌ لم تُبنَ فقط بالمعمار، بل شُيّدت بالثراء وتنوع الوجوه وتعدد الألوان واختلاف العادات التي لم تتصارع بل تصالحت لتصنع نسيجاً إنسانياً نادراً. فيها التقت القوافل القادمة من جهات الأرض الأربع، فحملت معها البضائع والأغاني والحكايات، وتركت وراءها أثراً من الحكمة والخبرة. لذلك لم تكن هذه المدينة مجرد محطة عبور، بل كانت مصنعاً لإنتاج الأفكار واليقينيات ومرآة لثراء الإنسان حين يتجاور ويتساكن دون أن يفقد خصوصيته.
تحياتي لك دكتورة سوسن، فقد بعثت فينا شجناً دفيناً أعاد إلى نفوسنا شيئاً من تماسك النفس ورحمن الذات، ولنا عودة.













