من تجربة شخصية إلى شهادة مهنية 1ـ3
من الفوضى إلى النظام… كيف أُعيد تعريف الخدمة القنصلية؟
إبراهيم عوض ـ آكشن سبورت
زرتُ سفارة جمهورية السودان بالرياض، عقب عودة العاملين من إجازة عيد الفطر المبارك، بغرض تجديد جواز سفري. هناك، وقفتُ على تجربة مختلفة تمامًا عمّا يُتداول أحيانًا في بعض الأوساط.
الإجراءات كانت في غاية السلاسة، والنظام الإلكتروني فرض إيقاعًا منضبطًا على حركة العمل، بينما كان الموظفون يؤدون مهامهم بهمة واضحة، ويجيبون على استفسارات المراجعين بروح طيبة واحترافية عالية.
لم يكن هناك ازدحام فوضوي، ولا انتظار مرهق تحت أشعة الشمس، بل منظومة عمل دقيقة تقوم على الأرقام والتنظيم، رغم أن أعداد المراجعين تتجاوز الألف في فترات الذروة. يدخل المراجع، ويباشر إجراءاته بنفسه، ويتنقل بين النوافذ وفق نظام واضح وسريع.
هذه التجربة دفعتني للتعمق أكثر، ليس فقط كمراجع، بل كصحفي، للوقوف على واقع العمل داخل السفارة، والإنجازات التي تحققت خلال الفترة الماضية، في ظل تحديات كبيرة، أبرزها تضاعف أعداد الجالية السودانية.
وقد لمستُ هذا الجهد بدءًا من سعادة السفير دفع الله الحاج علي، مرورًا بأركان بعثته، نائبه السفير محمد إبراهيم الباهي، والوزير المفوض مصطفى حسين الشريف القنصل العام، وصولًا إلى إدارة الجوازات وبقية الإدارات، في منظومة عمل متكاملة.
ما سمعته داخل سفارة السودان بالرياض من بعض المراجعين لم يكن دفاعًا تقليديًا عن أداء مؤسسة، بل كان عرضًا لتجربة عملية تغيّرت فيها فلسفة العمل بالكامل. ومنذ اللحظة الأولى، كان واضحًا أن ما يجري داخل القسم القنصلي ليس تحسينًا شكليًا، بل تحول جذري في طريقة تقديم الخدمة.
وأجزم أن ما يُكتب عن تقصير السفارة لا يعكس الصورة الحقيقية، فهناك نهج جديد بدأ منذ يوليو 2024، يقوم على مبدأ بسيط لكنه عميق: الأفعال قبل الأقوال.
هذا التوجه انعكس أولًا في الابتعاد عن الضجيج الإعلامي، والتركيز على بناء نظام عملي يشعر به المراجع منذ لحظة دخوله. وهنا برز التحول الأهم: تبني منهج إلكتروني متكامل لإدارة العمل القنصلي.
لم يعد المراجع بحاجة إلى الوقوف في صفوف طويلة خارج المبنى، ولا إلى البحث عن “واسطة” أو مساعدة عشوائية. كل شيء يبدأ من لحظة الدخول، حيث يجد نفسه أمام منظومة واضحة: مظلات مهيأة، أماكن جلوس منظمة، وشاشات تعرض بالتفصيل كل الإجراءات المطلوبة.
هذه الشاشات ليست مجرد وسيلة عرض، بل دليل إرشادي متكامل يختصر الطريق على المراجع. وإن تعذر عليه الفهم لأي سبب، يجد موظفًا مخصصًا للإرشاد داخل كل قاعة، في مشهد يعكس احترامًا حقيقيًا للإنسان قبل المعاملة.
بعد ذلك، ينتقل المراجع إلى أجهزة التسجيل، حيث يُدخل بياناته بنفسه، ويحصل على رقم، لتبدأ رحلة منظمة بالكامل. لا نداء عشوائي، ولا ازدحام حول النوافذ، بل نظام رقمي ينادي بالأرقام، وينقل المراجع من كاونتر إلى آخر حتى إكمال إجراءاته.
اللافت أن هذا النظام لا ينهار حتى في أوقات الذروة. فالسفارة، بحسب ما اثبته الواقع العملي، تستقبل في بعض الأيام ما يصل إلى 1500 مراجع، وهو رقم كان كفيلًا – في السابق – بإحداث فوضى كاملة.
لكن اليوم، الصورة مختلفة تمامًا.
العمل يسير بانسيابية، والوقت يُدار بكفاءة، والمراجع يُنهي إجراءاته دون الحاجة لأي تواصل مباشر أو تدخل خارجي. وهذا في حد ذاته تحول كبير، ليس فقط في الأداء، بل في ثقافة العمل، شهد به عدد كبير من أبناء الجالية الذين عبروا عن فخرهم وقبولهم به واعتبروه انجازا يُقاس بما وصفوه بـ“السنوات الضوئية” مقارنة بالماضي. والأهم من ذلك أن هذا التحول انعكس مباشرة على عامة أبناء الجالية.
فالمراجع يأتي بنفسه، يُنجز معاملته بنفسه، ويغادر وهو يشعر بالرضا، بعيدًا عن معاناة الانتظار، وعن أي تدخلات غير رسمية.
ومن خلال تجربتي الشخصية، لم يكن هذا الحديث مبالغًا فيه. ما رأيته يؤكد أن هناك جهدًا حقيقيًا بُذل لإعادة ترتيب العمل من الداخل، بعيدًا عن الشعارات.
في زمن تتعرض فيه المؤسسات لكثير من النقد، قد يكون من السهل إطلاق الأحكام، لكن من الصعب تجاهل تجربة واضحة المعالم كهذه؛ تجربة أعادت الاعتبار لفكرة أن الخدمة العامة يمكن أن تُدار بكفاءة واحترام في آنٍ واحد.
وهنا، ربما يكون السؤال الحقيقي ليس: هل هناك أخطاء؟
بل: هل هناك جهد واضح للتطوير؟
ومن خلال ما رأيت وسمعت، تبدو الإجابة واضحة.













