سيرة عقل فلسفي حكم الكرة وحكاية لم تعرف المنطقة الرمادية
عقل فلسفي حكم الكرة بقبضة القانون
مسيرة استثنائية بين الفلسفة والرياضة
حارس النزاهة في زمن “اللقف” والشبهات
ارث كبير .. حضور مؤثر ..وقيادة بلا مجاملات
فصل صاخب بالنجاحات والإخفاقات في كتاب الكرة
هل احتاجت الكرة إلى شداد أم إلى فهم شداد؟
عبد المنعم هلال ـ آكشن سبورت
ـ في تاريخ الشعوب تمر أسماء كثيرة بعضها يلمع سريعاً ثم يخبو وبعضها يرسخ كعلامة فارقة لا يمكن تجاوزها وفي تاريخ الكرة السودانية يبرز اسم الدكتور كمال حامد إبراهيم شداد كأحد تلك الأسماء التي لم تكن مجرد مرحلة بل كانت (حالة) كاملة حالة جمعت بين الفكر والفلسفة وبين الإدارة والصرامة وبين الجدل والتأثير.
مسيرة استثنائية
ـ ولد شداد عام 1935 بمدينة الأبيض تلك المدينة التي تصنع الرجال على مهل وتغرس فيهم الصبر قبل الطموح هناك تشكلت ملامحه الأولى هدوء ظاهر يخفي صلابة داخلية وعقل يميل إلى التحليل أكثر من الانفعال لم يكن طفلاً عادياً بل كان منذ بداياته ميالاً إلى التفكير إلى التساؤل إلى البحث عن (لماذا) قبل (كيف).
ـ اختار طريق العلم فدخل جامعة الخرطوم ودرس الفلسفة ذلك التخصص الذي لا يختاره إلا من يبحث عن فهم الحياة لا مجرد العيش فيها واصل مسيرته حتى نال درجة الدكتوراه من جامعة لندن عام 1970 ليعود إلى السودان أستاذاً جامعياً ثم رئيساً لقسم الفلسفة هناك لم يكن مجرد محاضر بل كان صاحب مشروع فكري يرى في كل شيء نظاماً يمكن فهمه حتى كرة القدم ولأن الحياة لا تسير في خط واحد كان للرياضة نصيبها من اهتمامه.
مفكر كروي
ـ لعب كرة القدم في شبابه ضمن فريق أبو عنجة بأم درمان لكن مسيرته كلاعب لم تطل كثيراً إذ أجبرته الظروف الصحية على التوقف غير أن خروجه من الملعب لم يكن نهاية علاقته بالكرة بل كان بداية التحول الحقيقي من لاعب إلى مفكر كروي.
ـ دخل مجال التدريب فتولى تدريب المنتخب السوداني في ستينيات القرن الماضي وهناك بدأت تتشكل ملامح شداد التي سيعرفها الجميع لاحقاً لا مكان للمجاملات لا اعتبار إلا للكفاءة ولا صوت يعلو فوق مصلحة الفريق كان يرى أن المنتخب ليس ساحة للترضيات بل مسؤولية وطنية.
القانون فوق الجميع
ـ لكن التحول الأكبر جاء مع دخوله المجال الإداري، حين تولى رئاسة الاتحاد السوداني لكرة القدم في فترات متعددة امتدت لسنوات طويلة (1988–1995) / (2001–2010) / (2017–2021) هنا لم يعد شداد مجرد اسم بل أصبح ظاهرة رجل جاء ليحكم بمنطق لا ليُرضي بالعاطفة.
ـ منذ اللحظة الأولى أعلن فلسفته بوضوح (القانون فوق الجميع) عبارة بسيطة لكنها في واقع اعتاد الفوضى كانت إعلان حرب.. حرب على العشوائية على التسيب وعلى عقلية (نحن فوق اللوائح والقوانين).
ـ ملامح فتراته..
تطبيق صارم للقوانين
صدامات متكررة مع الأندية والإداريين
استقلالية واضحة في القرار
رفض التدخلات السياسية
ـ عرف بشخصيته القوية التي لا تجامل وهو ما جعله (ما محبوباً بشدة أو مرفوضاً بشدة ولا منطقة وسطى)
ـ أبرز ما يُعرف عنه الصرامة والانضباط الشديد
النزاهة والشفافية في المال العام
الاعتداد بالنفس والاستقلالية
ثقافة موسوعية تجمع بين الرياضة والفلسفة
وقد عُرف عنه الزهد في المال العام والدقة في التعامل مع الموارد.
جدل وصدامات
ـ لم تكن مسيرته خالية من الجدل..
صدامات مع الأندية الكبرى
اتهامات إعلامية طالته هو وأسرته
انتقادات لطريقته الصارمة في الإدارة
لكن رغم ذلك ظل رقماً صعباً في الكرة السودانية
قرارات حاسمة
ـ لم يكن شداد سهلاً بل كان صعباً حتى على أقرب حلفائه قراراته حاسمة مواقفه لا تحتمل التأويل وكلماته لا تعرف التجميل كان يؤمن أن العدالة لا تُجزأ وأن التهاون بداية الانهيار لذلك اصطدم بالأندية بالإعلام وبالسلطة الحاكمة وأحياناً بالجماهير وفي المقابل كسب احترام من يرون في القانون قيمة لا مجرد نصوص كان بالنسبة لهم (حارساً للنزاهة) في زمن كثرت فيه الشبهات ورجلاً لا يساوم في المال العام ولا ينحني للضغوط.
ـ امتد حضوره إلى خارج السودان فكان عضواً في العديد من المؤسسات القارية والدولية ومشاركاً في صناعة القرار الرياضي على مستوى أفريقيا والعالم لم يكن وجوده شكلياً بل كان صوتاً مسموعاً ورأياً يُعتد به وشخصية تفرض احترامها بثقافتها قبل منصبها.
اعلامي شامل
ـ وإلى جانب كل ذلك ظل الصحفي داخله كتب في صحف الأيام والزمان وترأس الأقسام الرياضية في الصحافة والرأي العام وأسهم في تأسيس تجربة إعلامية خاصة عندما أسس صحيفة رياضية باسم (المتفرج) كان قلمه امتداداً لشخصيته واضحاً صريحاً وأحياناً صادماً لكنه لا يعرف المجاملة.
ـ ورغم هذه المسيرة الحافلة لم تكن طريقه مفروشة بالرضا تعرض لانتقادات حادة واتُهم بالصرامة الزائدة ووُصف أحياناً بالديكتاتورية لكن المفارقة أن هذه الصفات نفسها هي التي جعلت منه شخصية استثنائية ففي بيئة يغلب عليها التنازل كان التمسك بالمبدأ يبدو (تشدداً) وهنا تكمن حكاية شداد الحقيقية رجل اختار أن يكون واضحاً في زمن الضباب وحاسماً في زمن التردد وصارماً في زمن المجاملات لذلك لم يعرف المنطقة الرمادية إما معك أو ضدك إما أن تقبل بمنهجه أو تصطدم به وتمسك بمهنجه ومبادئه حتى تكالب عليه أصحاب المصالح وازاحوه من رئاسة الاتحاد العام.
حياة هادئة
ـ على المستوى الشخصي عاش حياة هادئة نسبياً متزوج وله ابنة وظل محافظاً على توازن بين حياته الأكاديمية والرياضية لم يُعرف عنه الترف أو السعي وراء المكاسب بل كان أقرب إلى الزهد مكتفياً بما يراه (حقاً مشروعاً) فقط وظل عى هذا النهج رغم التشكيك في ذمته من بعض الصحفيين.
ـ اليوم ونحن نقرأ مسيرته لا يمكن أن نحاكمه فقط بنتائج المنتخبات أو أداء الأندية لأن شداد لم يكن مشروع نتائج قصيرة بل مشروع فكر طويل قد تتفق معه أو تختلف لكنك لا تستطيع أن تنكر أنه حاول أن يضع أساساً.. أساساً ربما لم يكتمل لكنه كان ضرورياً.
ـ كمال شداد ليس مجرد إداري مر من هنا بل هو فصل كامل في كتاب الكرة السودانية فصل مليء بالجدل بالصدام بالنجاحات والإخفاقات لكنه قبل كل شيء مليء (بالفكرة).
ـ وفي النهاية سيبقى السؤال مفتوحاً.. هل كانت الكرة السودانية تحتاج إلى شداد أم كانت تحتاج إلى أن تفهم شداد ..؟ وفي كل الأحوال يبقى الرجل واحداً من أولئك الذين لا يمكن المرور على سيرتهم مروراً عابراً لأنهم ببساطة لم يعيشوا حياة عابرة.
متعه الله بالصحة والعافية وطول العمر
فبعض الرجال لا يُختصرون في سيرة بل يُكتبون كتاريخ.













