المسيد في عيون شاعرها.. قصيدة الوجع والأمل
إبراهيم العمدة خوجلي ـ آكشن سبورت
دعوني أخصص مساحتي هذه لابن المسيد ود عيسى، الكاتب والأديب الأريب والشاعر المجيد صلاح عبد القادر أحمد محي الدين، هذا المبدع الذي يعبّر عمّا يجيش بخاطره بهذه السلاسة الشعرية، الممعنة في تصوير ما تمر به بلادنا الحبيبة، وتجسيد محبته لوطنه الصغير المسيد؛ مدينة النور والعلم والجمال، التي لم تسلم من مأساة الحرب مثلها مثل بقية قرى ولاية الجزيرة.
فشاعرنا ينتمي إلى أسرة عريقة اشتهرت بالعلم والإبداع بمختلف ألوانه الأدبية والشعرية. وهذه إحدى قصائد مخزون ود محي الدين في حب وطنه المسيد، الذي كتب عنه الشعراء وتغنى به المبدعون. ولا ننسى الشاعر المنطلق نحو النجومية بسرعة الصاروخ فريد عبد الحميد، وهو من الدائرة الإبداعية لصلاح، وسنفرد له مساحة لاحقاً.
وحقيقةً نحن بحاجة إلى الشعر؛ لأنه المساحة الوحيدة التي تطالبنا بأن نكون أقوياء. فالأدب يعيد ترتيب فوضانا الداخلية، ويعلمنا أن الشعور ليس ضعفاً بل وعياً، ومن خلاله نفهم أنفسنا أكثر. الشعر الرصين والمعبر لا يغير عالمنا مباشرة، لكنه يؤطر لقيمنا ومبادئنا، ومنه يبدأ كل تغيير.
كتب ـ صلاح عبدالقادر محي الدين
شوق إلى القرية
ما كنتُ أرغبُ في الترحالِ والسفرِ
فما بَقِيَ لنا عُمْرٌ مع العُمُرِ
إنَّ المسيدَ لدارٌ يُستطابُ بها
عيشُ الكرامِ ولا تَنفَضُّ من سمرِ
تهدأ بها النفسُ والأرواحُ ساكنةٌ
سَكْرَى من الودِّ لا مُستعذَبِ الخمرِ
من بيتِ خالتنا لبيتِ عمتنا
الدورُ عامرةٌ بالجدِّ والهذرِ
وشِلَّةُ الأُنسِ كم كانت مجالسُها
تُشجي النفوسَ وتُغري الناسَ بالسهرِ
تبقى لطائفُها معروفةً زمناً
وبعضٌ من طرائفِها ليس للنشرِ
الناسُ في زحمةِ الأفراحِ سائرةٌ
يهدون وداً بلا منٍّ ولا ضجرِ
تضجُّ أسواقُها بالناسِ ما فتئتْ
تملأُ المواعينَ بالأغراضِ والخُضَرِ
تأتي لها الأقوامُ آمنةً مؤمَّنةً
لا فرقَ جاءوها من بادٍ ومن حضرِ
كأنِّي بها من فرطِ بهجتها
صابت دعاءً من الصلاحِ والخَضِرِ
هذي الدروبُ دروبٌ ظللتُ أعرفُها
كم قد مشيناها بخطوٍ بادئِ الحذرِ
علَّنا نلقى على أطرافِها وجهاً
من الأحبَّةِ أو أثراً على حجرِ
حتى أتى على الدارِ والأقوامُ آمنةً
فوجٌ من الأغرابِ والأوباشِ والغجرِ
ملأوا الدروبَ برعبٍ لا احتمالَ لهُ
وأعملوا في الناسِ قتلاً غيرَ مُفتكرِ
وبدَّلوا الحالَ من أمنٍ يحيطُ بها
إلى حالةٍ من الإذلالِ والقهرِ
ومن دارِ حُسنٍ يُسرٌ معالمُها
إلى دارةٍ شبعت من الآلامِ والعسرِ
الدارُ ليس جمالُ الدارِ نعرفُها
خرَّبوها بطيشٍ ماحقٍ كدرِ
وبُدِّلت تلك الدروبُ وقد أمِنَّاها
بدروبٍ طفحت بالشوكِ والوعرِ
وجمعُنا الحلو قد انفضَّ سامرُهُ
وما بقي من لطيفِ الصحبِ من أثرِ
هكذا الحالُ قد عظمت مصيبتُنا
وإنها النارُ من مستصغرِ الشررِ
صبراً أحبتنا فالدارُ عائدةٌ
لأنَّ الله يأتي بعد العسرِ باليسرِ
وأصبر على ما حاقَ من قدرٍ
هكذا الأحداثُ تأتينا على قدرِ













