تميّز بنبرته الخاصة وابتعاده الهادئ عن الأضواء
بقلم : بشرى سليمان
*يمضي اسم محمد عثمان كجراي في الذاكرة مثل نغمة بعيدة لا تخفت، نغمة خرجت من تخوم الشرق ، من القضارف التي ولد فيها ع
كان اسمه الكامل محمد عثمان محمد صالح سبدرات، لكن “كجراي” – تلك المفردة البجاوية التي تعني “المحارب” – هي التي اختارته، أو ربما اختارها، لتكون قناعه الشعري ومرآته في آن، مع أنه لم يكن محارباً بالسيف، بل بالكلمة، ولم يكن صاخباً، بل وديعاً كنسمة، يخفي في هدوئه عاصفة من الأسئلة والرفض.
من هناك، اتجه إلى التعليم، فالتحق بمعهد بخت الرضا، وتخرج معلماً، ثم تنقل بين مدارس السودان،
كان التعليم بالنسبة له أكثر من مهنة؛ كان رسالة رسالة أخلاقية ورسالة جمالية.
في أواخر الأربعينيات بدأ صوته الأدبي يتشكل، فنشر أولى كتاباته عام 1948.
أصدر ديوانه الأول (الصمت والرماد) ، ثم (الليل عبر غابة النيون) و(ارم ذات العماد) و(في مرايا الحقول)
حين ضاقت به البلاد، وتكاثفت عليه أنظمة القمع والتضييق، اختار المنفى القريب، لا بوصفه هروباً، بل امتداداً للمعنى. ذهب إلى إريتريا، التي لم تكن غريبة عنه، لا جغرافياً ولا وجدانياً، وعاش هناك سنوات من عطائه الهادئ.
ظل في إريتريا حتى اشتد عليه الشوق، وعاد إلى السودان ، يحمل في داخله تعب المنافي ومرارة التجاهل، لكنه لم يفقد تلك النبرة الصافية التي ظلت تميزه. كان بإمكانه أن يكون أكثر حضوراً، أكثر صخباً، لكنه اختار أن يكون نفسه فقط: شاعراً حقيقياً، لا يساوم، ولا يتبدل.
ينتمي كجراي إلى جيل الستينيات، لكنه ظل مختلفاً عنهم جميعاً، بنبرته الخاصة، وبعزلته الاختيارية، وبابتعاده عن الأضواء. لم يكن يسعى إلى الشهرة، بل كانت القصيدة عنده غاية في ذاتها، لا وسيلة.
وفي شعره الغنائي، الذي تغنى به الفنانون امثال محمد وردي (مافى داعي، وتاجوج، وبسمة الزنبق).. نلمح جانباً آخر من روحه، أكثر قرباً من الناس، وأكثر التصاقاً بالعاطفةِ اليوميةِ، حيث يقول في بساطة آسرة:
في اغنية.. مافى داعي:
(مافي داعي تقولي مافي
يا الربيع في عطرو دافي
لهفة الشوق
في سلامِك
في كلامِك
وسر غرامك ماهو خافِ
ارتعاشاتك بتحكي.. قصة أحلامك معاي
وكل خفقة.. في قلبي.. نغمة
تحكي ليكِ شوقي وهوايا)
* وفى اغنية شجون التي غناها الفنان إبراهيم حسين، وهي الأغنية التي وضعت إبراهيم حسين على المنصة تماماً، ومهدت له طريق الفن المرهق الجميل. قال وردي معترفاً: حين استمعت لشجون ذات يوم في( مايطلبه المستمعين) قلت لأصدقائي إني أعترف بأنني لم أكن سأغنيها بذات الجمال الذي غناها به إبن كسلا إبراهيم حسين..
(خلاص يا قلبى كان خاصم
ضميرو يحاسبو خليهو
تمر أيام ينسى غرورو
ويلقى هوانا راجيهو)
في 8 أغسطس 2003، رحل كجراي في كسلا، بهدوء يشبه حياته،
. لم يكن رحيله نهاية، بل امتداداً لذلك الصمت الذي جعله لغته الثانية، ذلك الصمت الذي كان، في شعره، أكثر بلاغة من الكلام.
هكذا يبقى كجراي: شاعراً معلماً حمل الطباشير بيد، والقصيدة بالأخرى؛ وإنساناً كتب الألم كما لو كان أغنية، وكتب الحرية كما لو كانت قدراً لا مهرب منه.
بعد التحية
الشاعر حميد.. البساطة والعمق
- في كثير من الأحيان تتخذ الكتابة موقع الصعوبة بالنسبة لي تحديداً، تتخذ موقع الصعوبة عندما أريد أن أكتب عن (سهل).. والسهل الذي أعنيه هو ذلك السهل البسيط الذي يسكنك ويتألف معك دون أية حواجز أو تعقيدات.
- وحميد الإنسان هو أحد الأشياء الكثيرة (السهلة) في حياتي التي أحببت (سهولتها).
- فهو سهل في كل شيء.. إنسان بسيط، عفوي، واضح في سلوكه وتعامله.. لا تجد أي منطقة مغلقة أو رمادية أو ضبابية في شخصيته.. يخلق بينك وبينه جسراً للتواصل.. يأتيك به وتمشي عبره إليه.
- وانعكس ذلك بوضوح في أشعاره، كل أشعاره التي تغنى فيها بشعره؛ لحبه الكبير الجميل للوطن، أو لحبيبة جميلة لم نرها، إنما أحسسنا ببعض تفاصيلها في مقاطع قصائده لها.. كان شعره سهلاً بسيطاً عميق المعاني.
- تعرفت على حميد في لقاءات عابرة وجلسات معرفة عابرة، نسمع فيها بعضاً من أشعاره، وكان ذلك قبل أن تغمره الشهرة والأضواء.. ثم تعمقت معرفتي به أكثر رفقة فقيد الوطن والفن مصطفى سيد أحمد، له الرحمة والمغفرة والعتق من النار.. ووجدته كما هو: حميد البسيط العفوي.. المرح، خفيف الدم، الساخر بنعومة وبمحبة.
- وأذكر أنني سألته ذات مرة، وكان مصطفى سيد أحمد يقاسمنا الجلسة، لماذا هو دائماً بالزي الشعبي (الجلابية والعمامة).
- فأجابني بلكنته الشايقية اللطيفة المحببة، ضاحكاً: (ياخي ما داير أطلع من هدومي.. شكلي كده ما هو عاجبك ولا شنو؟).
- وعقّب مصطفى قائلاً: (ولا شنو.. رد عليهو).
- وكما قلت، فإن شخصية حميد السهلة البسيطة العفوية انعكست على أشعاره بوضوح، ونلاحظ ذلك من أول القصائد التي اشتهر بها (شن طعم الدروس يا يمة).
كل مداخل قصائده كانت بسيطة، يلتقطها من بين أحاديث العامة ويشكلها مقاطع شعرية بديعة، تكتسب عمقها من الصياغة الجميلة والثراء الوجداني الذي يسكبه عليها.. ويمنحك الإحساس بأنه مسكون بهذا الشعر الذي يقدمه لنا.. مسكون بالمعاني وبهذه العواطف والمشاعر.. وأنه لا يجد صعوبة أبداً في صياغتها ومن ثم كتابتها وتقديمها لنا.. وهذه قمة السهل الممتنع.
ولعل أجمل ما في أشعار حميد أنك عندما تطالعها يغمرك الإحساس أنك كنت في أمسّ الحاجة إلى كتابة مثل هذه، تعبر عنك وتروي ظمأك إلى معانيها ومقاصدها.
رحم الله حميد الإنسان الشاعر، الذي لم تغيره شهرة ولم تبهره أضواء.. وظل كما هو بسيطاً عفوياً، مرحاً خفيف الدم، ساخراً بمحبة.. يكتب للوطن بأغلى وأجمل معاني الانتماء والحب، ويكتب للحبيبة بأجمل وأغلى معاني آماله وأحلامه معها.
خواطر
- مقطع فيديو من صديق ذواق.. يغني فيه الفنان إبراهيم خوجلي أغنية (الناحر فؤادي مولّع نار، جوفي حر).. أداء مبهر في منتهى العذوبة والمتعة من فنان ساحر الصوت.
ليت من (يقلدون) ويشوّهون أغنيات كبار الفنانين تسويةً مؤلمة، ليتهم يستمعون لإبراهيم خوجلي ليستمتعوا ويتعلموا ما يفيدهم. - هل كُتب علينا أن نطالع كل فترة أن (فلان) اعتذر ووعد ألا يكرر ما قام به… إلخ؟
ما الذي يستفيد الفن والساحة الفنية من حكايات الاعتذار الباهتة هذه، خاصة وأن الخلافات لم تكن حول مسائل فنية لها قيمتها، إنما كانت حول مسائل شخصية، وعبر فيديوهات قبيحة ساقطة؟! - أين اختفى الفنان عاطف السماني؟! صحيح أن جهده مؤخراً اقتصر على حراك وطني كبير في ظل ظروف الحرب، وهو حراك عبّر فيه عن أحاسيس وطنية نبيلة ومعدن إنساني أصيل، ليكسب تقدير واحترام الناس.
اختفى عاطف السماني، والواجب أن نسأل عنه. - أغنية (أنت عمري) لكوكب الشرق أم كلثوم تظل إحدى أجمل أغنياتها، وكانت أول لقاء يجمعها مع الفنان الموسيقار محمد عبد الوهاب، الذي ألبس كلماتها وكساها لحناً جميلاً.
كان أول لقاء فني لأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب بعد جفوة وقطيعة طويلة تسببت فيها أقلام وأحاديث وغيرة فنية… إلخ.
وللعلم، أغنية (أنت عمري) تمت بتوجيه رئاسي غير معلن من الزعيم الخالد جمال عبد الناصر، الذي لم تشغله أعباؤه السياسية الكبيرة عن الاهتمام بالشأن الفني.
وسأكتب عن كيف جمع عبد الناصر بين أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، وكيف وُلدت الأغنية. - خبر منتشر يقول: (مزدلفة العالمية.. تنفي خبر اعتزال شقيقتها مروة الدولية)؟!.. وبهذه المناسبة، هل سيعقد الاتحاد الأفريقي جلسة طارئة للتضامن معنا في وجه هذه الشائعة المغرضة؟! وهل سيصوّت أعضاء مجلس الأمن لإدانة من أطلقوا الشائعة وإدراج أسمائهم ضمن قوائم الحظر والعقوبات حمايةً للأمن والسلم، وتحويلهم إلى المحكمة الجنائية الدولية؟!
وهل ستوفد الأمم المتحدة مبعوثاً دولياً للوقوف على آثار هذه الشائعة لاحتواء تداعياتها؟!
هلاويات
………..
بفضل أنادي عليك.. شيخي الكابلي
ع. هلاوي
- أصلاً ما اتخيلت.. وأنا صبي بتاع عشرة سنة كده.. يجي يوم وأمتلك جهاز تسجيل أسمع من خلاله الغنا..
وأصلاً ما قدرت أصدق إني قدرت أوفّر في يوم من الأيام عشرة جنيه وأشتري راديو ناشيونال كرت من محلات باجابر.. في سوق كسلا.. وأرجع بيتنا في حي الميرغنية، وكأني شايل معاي الجبل، أو كأني جاي داخل البيت وأنا مدخل في الجهاز الياباني العجيب ده كل جميلات الدنيا.. ويا سبحان الله كانت أول أغنية تبارك لي بيها الإذاعة السودانية الراديو الجديد كانت:
كانت «كيف يهون عندك خصامي.. وترضى من عيني تغيب»،
وكأنو الإذاعة والكابلي والراديو الجديد بتاعي كانوا على اتفاق.. يخلوا فرحتي بي الراديو أكبر..
صديقنا العظيم ميرغني عبد الباسط من الناس العلمتني في صمت حب كابلي.. ما تسألني كيف.. وصديقي أيضاً الكاتب الفنان مصطفى الرشيد، عليه رحمات ربي، من العاشقين لعبد الكريم،
وكثيراً ما كان يتغنى في همس بي: «الليل عاد.. والشوق زاد.. يا حبيبي»، فأحببت كابلي وأنا في بواكير الشباب أكثر.. كنت أشعر بأن محبة كابلي فريضة على كل العشاق، بل على كل مواطن سوداني من مروي إلى كسلا.. وقد هبت الخرطوم في جنح الدجى.. كما هي فريضة على كل عشاق الترحال والسياحة.. من «مصر يا أخت بلادي يا شقيقة»
إلى بلاد الهند والسند.. عبر صوت طاغور المغني.. بجناحين من الشعر على روضة فن.. «يا دمشق»..
هكذا كان الكابلي، وسيظل في حياتي.. يعيدني بالمولد.. سر الليالي.. إلى مولدي جوار ضريح السيد الحسن، ويذكرني بصوفيتي المنسية.. زمان الفتة فتة، واللقيمات لقيمات.. الصوفية منزوعة السياسة..
تمضي الأيام.. لم أكن أتصور أن يأتي يوماً وأجلس في حضرة الكبير كابلي لأجري حواراً صحفياً لمجلة الإذاعة.. كما لم أكن أتصور أن يأتي يوماً عليّ ذلك العاشق الصغير، ويتغنى الكبير بكلماته، فيزداد جمالاً ووسامة بين كل العاشقين..
رحمك الله أيها الكبير جداً في حياتي، فقد ازددت بك حجماً وطعماً ومساحة.. ويا أغلى من نفسي..
بفضل أنادي عليك.. لامن يضيع حسي..
وأنا في رحاب عينيك..
زول مرة عدي عليك..
وراح في زمن منسي..
ألقاك وما ألقاك.. زولي البعرفو صحيح..
وعشرة سنيني معاك..
أوهام تشيلا الريح..
وأنا برضى ديمة وراك.. كان ألقى فيك مني..
لمحة بتصحي هواك..
وعلى تطميني
أسوان (31 مارس 2026)
مزهرية
بدور القلعة
كلمات: أبو صلاح
غناء: محمد الأمين
العيون النوركن بجهرا
غير جمالكن مين السهرا
يا بدور القلعة وجوهرا
السيوف الحاظك تشهرا
على الفؤاد من بدري انهرا
أخفي ريدي مرة وأجهرا
نار غرامك ربك يقهرا
عالي صدرك لي خصرك ضرا
فيهو جوز رمان جلّ البرا
الخطيبة وردفك منبرا
الشعور البسطل عنبرا
الصدير أعطافك فترا
والنهيد باع فينا واشترى
الوضيب أقدامك سترا
لقطيهو قلوبنا البعثرا
صيدة غيرك إيه الجسرا
تستلم أفكارنا وتأسرها
حال محاسنك مين الفسرا
يا الثريا الفوق أهل الثرى
جارحة صالح كل ما يحضرا
وفي مدينة الجوف ساكن الضرا
الرشيم والرشمة الخضرا
زي فريع في موية منظرا
هل حبيبي نسي أم لي طرا
النسايم بالند عطرا
ده الدفق لي دموعي ومطرا
حفلة وهبة بي مزيكتو اتحكرا
كم أطرب أفكارنا وسكرا
البدور النارت مسفرا
قاصدة تشتري قلوبنا تسفرا













