بوح الحبر
د. الحبر عبد الوهاب
في تلك الأزمنة كان السفر والابتعاد عن الوطن أمنية وغاية لشاب لم يتعد الخامسة والعشرين من عمره. كانت الأبواب المشرعة للرحيل ـ له ولأبناء جيله ـ كثيرة ومربكة. في تلك الأزمنة والظروف قدمتُ للهجرة لأمريكا وبريطانيا وفرنسا والخليج، وحتى جزيرة بروناي دار السلام! لكن الأقدار قادتني إلى أرض الجنتين واليمن السعيد! إذ بين ليلة وضحاها، وبتوفيق من الله تعالى أولا، تم اختياري للعمل في اليمن ضمن كوكبة من المعلمين السودانيين، وشرق شارع “القصر” بعد البنك الفرنسي، وقريبا من (شجرة الحرية) الضخمة، حيث الخطوط اليمنية، كنت أردد قول الشاعر القديم:
لا بد من صنعاء وإن طال السفر*** وإن تحنّى كل عود ودبر!
ووجدتني ذات ليلة قابعا مع وجوه لا أعرفها على متن الطائرة اليمنية المتجهة إلى صنعاء. مطار صنعاء كان باردا حد الرطوبة، وحينما صرنا خارجه وجدناه بارزا في ساحة تكاد تكون فضاء، عكس مطار الخرطوم الذي يلبد في حشا المدينة. من هناك حملَنا ناقل التربية والتعليم إلى شارع (علي عبد المغني)، لنستقر في فندق 25 مايو شرق ميدان التحرير في ساعة متأخرة من الليل.
بعد نوم غير مريح، تحت بطانية لحاف، لا أدرى كيف اخترقها البرد، صحوت على أذان الفجر… كان (مقام) المؤذن ونبرة صوته ومخارجه تختلف عما في أذان عم (آدم) في مسجدنا الذي نصلي فيه جنوب (سعد قشرة) في الخرطوم بحري!
بصعوبة تذكرت أين أنا! ثم اجتررت رحلتي بدءا من السفارة اليمنية في (العمارات)، مرورا بالمعاينة والتأشيرة وتوفير مصاريف السفر، حتى وداع الأهل، رفقة حقيبة متواضعة تصلح لطالب يدرس بعيدا عن أهله، لا لمغترب يردد قول أبي الطيب المتنبي:
فلو أنَّ ما أسعى لأدنى معيشةٍ * كفاني ـ ولم أطلب ـ قليلٌ من المالِ
ولكنما أسعى لمجدٍ مؤثَّلٍ * وقد يدرك المجدَ المؤثل أمثالي!
إذن هذه هي صنعاء، المدينة التليدة التي بناها سام بن نوح بعد الطوفان! مدينة بنيت من الحجر، تُطل شرفاتها برواشينها في برودة هذا الشتاء على الجبال المحيطة بها، أبرزها جبل (نُقم) الذي يحرس المدينة من جانبها الشرقي مثلما حرس (أبو الهول) طيبة!
في أسبوع، وقبل تصديرنا (توزيعنا) على الألوية (الولايات) عرفت معظم صنعاء، فهي مدينة صغيرة تفتح لك قلبها من أول وهلة، لتحبها وتحبك، وتحب بعيرك الذي أوصلك إليها!
ثم… كم مرة قطعت المسافة من شمالها، حيث المطار وحي الجراف، إلى جنوبها حيث شارع تعز وبير عبيد؟ ومن شرقها، حيث جبل نقم وباب شعوب، إلى غربها حيث (مذبح)؟
كم مرة ارتشفت القهوة في حديقة (آزال)، وكتبت شعرا في (باب اليمن)؟ كم مرة أفطرت بـ “الدقة” اليمنية، و”اللحوح”، و”افتهنت”ـ ارتحت مع عنب “بني حشيش”؟ وطربت لرقصة “العسكرة” في ميدان التحرير، والتجوال في أزقة باب اليمن؟
تلك قصص أخرى يا صديقي.. لعلنا نعود إليها ذات يوم!













