(تيارات)
إبراهيم العمدة خوجلي
الجزيرة الخضراء، وجميلة أرض المحنة كما وصفها شاعرنا الكبير فضل الله محمد رحمه الله في كلمات أغنيته الشهيرة، معبِّرًا كذلك عن الشوق والأشجان للمحبوب بولاية الخير والجمال:
من أرض المحنة من قلب الجزيرة
برسل للمسافر أشواقي الكتيرة
قول لي يا حبيبي شن بعمل وراكا
أنا أحلم وأمل في سرعة لقاك
ولا أسيبا مدني وأجي أسكن حداكا
نكتفي بهذا القدر من كلمات شاعرنا الجميل فضل الله، ونعود للإجابة على سؤالنا عنوان مقالنا:
لماذا نكتب عن ولاية الجزيرة؟!!
ذلك الهوى الذي يتملكنا ويحوز كل الوجدان…
الجزيرة مسقط الرأس ومهوى الفؤاد.
نكتب؛ عن مرافقها الصحية والخدمية وغيرها، وهي التي أضحت ملاذًا لكل أبناء السودان دون تمييز، وأتاحت لهم فرص العمل والدراسة أسوة بأبنائها، وتشاركهم همومهم وشجونهم التي تعني لها هموم وشجون الوطن متمثلًا فيهم.
نكتب؛ عن المشروع، ومن منا لا يعرف مشروع الجزيرة الذي أسهم كثيرًا في دعم الاقتصاد السوداني بدفعات قوية ساعدته على تجاوز الكثير من المحن، قبل أن يصيبه التدهور ويحل به الإهمال، ويعاني مزارعوه ما عانوا، ويترك جلهم الزراعة، بل هناك من بيعت حواشته… باع اسمه يعني، وهذا في عرف المزارعية أصحاب الأرض المروية جريمة في حق نفسه والمشروع والوطن. ولكن أين الملاذ؟ كيف العمل؟ أين المفر من حقوق وواجبات والتزامات، والكثير من المبررات التي قادته للتخلي عن أعز ما يملك، وهي أرضه واسمه وعائدها الذي لم يفِ نتيجة هذا التدهور، مما جعله يقف عاجزًا أمام الظروف، وهو الذي كانت تعتمد عليه دولة بحالها، سبحان الله!!
نكتب؛ عن شح المياه وعطش الزرع، وعن تهاوي الصرايات ومكاتب الصرف وهجر المفتشين والمدراء، ولم يظل فيها أحد حتى الصمد.
نكتب؛ عن المياه التي ضلت طريقها ولم تنساب في الكنارات والترع وأُمات عشارين وأُمات ستات لتروي ما تبقى من حواشات، بل ذهبت لتوليد الكهرباء، ليتجه أهلنا الغبش في الجزيرة الكتير خيرًا إلى امتهان مهن أخرى امتهنوها وهم غرباء عليها قبل أن تكون هي غريبة عليهم. ورغم هذا تحملت الجزيرة العبء الأكبر فيما يعتري الوطن، وقدمت خيرة أبنائها فداء له إيمانًا منها بالدور الذي ظلت ولا زالت تقوم به حتى ينهض السودان ويحتل مكانه الطبيعي والطليعي بين الأمم.
نعم يا سادة؛ نكتب عنها حنينًا لوز القطن الذي أسقطه زمان القحط والجدب السياسي.
نكتب؛ لسنابل القمح التي كانت تشرئب عالية برؤوس شوامخ، ولكن انحنت هزالًا بعد أن لم تعد سيقانها تحملها بفعل الإهمال.
نكتب؛ حنينًا لباجورها ومكاتبها وترعها.
نكتب؛ للجدول والتقانت.
نكتب؛ حتى تعود تلك الأيام العذاب ما بين المراح والمرواح.
من أجل المطامير التي تكيل،
والدواوين المفتوحة أوصادها كما قلوب أهلها،
من أجل أن تعود البسمة لتلك الشفاه التي تيبست،
والجباه التي صبرت،
من أجل ذلك النعيم الذي فني بفعل فاعل،
حتى أصبح أبناؤها بين المنافي والمهاجر،
بعد أن كان التعليم والعلم أساسيات إنسان الجزيرة.
صار الاغتراب هدفًا لشباب نضر،
أزعجتهم مآلات الأسر فانشقوا مهاجرين من أجل دواء أم أو علاج أب وووووو.
وتبقى الجزيرة هي البحيرة التي سقينا منها السودان كأس الاعتدال.
نسأل الله أن تعيد أرض المحنة وقلب الجزيرة سيرتها الأولى، لنرسل عاطر التحايا لكل أهلنا في ربوع السودان من أجل وطن واحد موحد!












