بوح الحبر
د. الحبر عبد الوهاب
ظل المغتربون السودانيون في دول المهجر في أقطار الأرض الواسعة مثالا للضحية والإيثار ونكران الذات. فهم يجودون بما يجود به اغترابهم على أهلهم وذويهم ووطنهم، دون كلل أو ملل، وبلا منٍّ ولا أذى، إيمانا منهم بأن للأهل والأوطان حقا عليهم.
وإن كان هذا ديدن المغتربين السودانيين منذ أن كان لـ “العمل” مكتب بالخرطوم، ينظم شؤون المغتربين وتعاقداتهم، وحتى قيام جهاز تنظيم شؤون السودانيين بالخارج، وما رافق ذلك من ضرائب وزكاة وخدمات وغيرها، يدفعها المغترب من عرق جبينه حتى يستطيع المغادرة ثانية لبلاد المهجر، ليعين أهله وذويه، إن كان ذلك كذلك فإن الحرب التي أشعلها من لا يرقبون في أهل السودان إلّا ولا ذمة قد زادت الأعباء على المغتربين السودانيين، حيث جردتهم وأهاليهم من كل ما يملكون في الغالب الأعم! فـ “الشفشافة” لم يتركوا في المدن التي دخلوها شيئا! بينما نزح سكان المناطق التي داهمها التمرد إلى مدن وقرى، بل ودول آمنة. وهنا أيضا غالبا ما وقع ويقع العبء على المغتربين في توفير حياة كريمة لأهلهم وذويهم النازحين، وأحيانا معارفهم وأصدقائهم.
إن بعض المنظمات العالمية، والمراقبين الدوليين للأوضاع في السودان أبدوا دهشتهم من ضآلة آثار الحرب على المواطن السوداني وصموده، بينما الحروب في أماكن أخرى في العالم تشرد الملايين الذين يواجهون مصيرهم بمفردهم. فالمواطن السوداني وإن نزح بسبب الحرب داخل بلاده سيجد منزلا ثانيا يؤويه، وسيجد أناسا يكونون هم أهله، إضافة إلى ـ ربما ـ مغترب يعين على نوائب الدهر!
والغريب في الأمر إن بيوت وممتلكات المغتربين في الخرطوم وغيرها كانت هدفا مشروعا للشفشافة من أبناء الوطن وعابري الحدود، يستحلونها بحجج واهية، منها أنهم “كِيزان” أو ضباط في القوات النظامية، أو من عناصر دولة 56! لذلك على الحكومة، التي بدأت ببعض الخطوات الإيجابية لتعويض المواطنين المتضررين، بمن فيهم المغتربون، كالسماح لهم بدخول الأثاث المنزلي دون جمارك، عليها أن تمنح مزيدا من الإعفاءات للمغتربين الذين وفروا للوطن وأهلهم دعما حين ضاق الأمر وانعدمت سبل العيش في السودان، وذلك بأن تسمح لهم بإدخال الأثاث المنزلي من مختلف دول المهجر لمنازلهم المدمرة والمنهوبة محتوياتها، وإن تقلص جمارك السيارات الخاصة بهم لمن استطاع شراءها، لتعويض فقدها و”تعب” السنين.
وإن كانت لي همسة في أذن أخي المغترب فهي أن يجعل ما ينفقه أمرا بينه وبين الله تعالى، حتى وإن واجه جحودا في بعض الحالات، وهي حتما قليلة، فما عند البشر ـ حتى وإن كان مدحا ـ هباء تذروه الرياح، وما عند الله باق ليوم عسر!
وأخيرا، أقول ثانية: مغتربي بلادي، لكم التحية، والتقدير، فأنتم جنود الوطن، وعصب اقتصاده في زمن تكالب فيه اللئام على السودان!
جزاكم الله خيرا..












