بوح الحبر
د. الحبر عبد الوهاب
كانت قريتي إبان طفولتي مجتمعا واحدا انسجم مع إيقاع الحياة بدرجة عجيبة. مجتمع يسعد أفراده بسعادة أحدهم ويحزنون لحزنه، لذا كانت احتفالات الأعراس تمتد لأكثر من أسبوع، ومراسم الفقد وأحزانه تستمر شهورا، أما رمضان فكان حكاية أخرى!
قبيل رمضان كانت نسوة القرية يستعددن له بتجهيز “الآبري” الذي اتّسمت به المنطقة، وكان حقها أن تحوز شهادة الملكية الفكرية فيه! كنت أقيم في بيت جدي (أحمد ود علي ود محمد صالح)، عليه رحمة الله، بعد أن تفرق أخوالي في دروب الحياة، حيث إنني أكبر أحفاده، وكانت جدتي عاشة (عائشة بت خريفان)، عليها رحمة الله، تصطحبني للخور الذي يشكل امتدادا طبيعيا للنهر غرب القرية، لنجمع “صفق” العشر العريض الذي يوضع على “الزريعة” بتشديد الراء ،ثم يُغطى بقطعة من “الشاش” على “العنقريب الكبير” أمام “القاطوع”!
كنت أتابع نمو “الزريعة” وأتعجب من نمو حبيبات الذرة بدون بذرها في تربة. ثم بعد أن تجهّز الزريعة يكون طحنها، ثم بعد أيام تجتمع نسوة القرية في “تكل الحور” جوار “الخلوة” لـ “عواسة” الآبري. وكنا نحن الصغار نتحلّق قريبا منهن لطلب “الكُراد” الذي كان لدينا بمثابة الحلوى، في زمن لم تعرف فيه القرية ترف المدن! هذا المكان نفسه هو مكان لعبنا ليلا، حيث كنا نختبئ في “التكل” رغم الرماد الذي يغطي أرضيته وجدرانه. وهذه الخلوة نفسها هي التي شهدت “عرضتنا” في حِلق “الطار” التي كانت تُقام في الليالي المقمرة.
القرية كانت تتناول إفطارها المتواضع ـ بليلة ولقمة (عصيدة) وآبري وعصير ليمون ـ على أذان الإذاعة السودانية بأم درمان، في الخلوة والدواوين، حيث المساحات المفتوحة، والتي هي عنوان الكرم لـ “الغاشي والماشي”. وكان علينا ـ نحن الصغار ـ إرجاع “العدة” الفاضية وإحضار القهوة والشاي للكبار والاستماع لقصصهم وطرائفهم.
كان السحور في غالبه قراصة القمح “الفطير” باللبن الذي كان متوفرا في القرية آنذاك. كنت أصحو على قرع “الصفيحة” وصياح أحدهم: “يا صايم قوم اتسحر”، وأرى جدتي تشعل “فتيلة” المصباح وتسخّن اللبن، واشتم رائحة “القُنانة”، وأسمع القطط تموء طلبا للبن وهي تحتك بأرجل “العناقريب”! أنا أيضا أكاد أتذوق طعم القراصة واللبن، لكنني لا أستعجل، حيث إن إفطاري صباحا بهما.
وحينما يكاد شهر رمضان ينصرم كنا نتجمع في الخور وننشد: “كبايه كبايه.. ست الدوكة غنمايه” و”كبريته كبريته.. ست الدوكه عفريته” ثم نُداهم بيوت القرية مرددين الأنشودة بلحن يعرضنا أحيانا لسخط نسوة القرية رغم روعته!
سقى الله تلك الأيام الوريقة، والقرية الآمنة، فردوسنا المفقود في زمن النزوح والحروب!













