هلال وظلال
عبد المنعم هلال
ـ في كل مرة أكتب فيها عن مباراة، أو أستعيد ذكرى فنية جميلة، يأتيني من يقول لي: (يا أخي الناس في شنو وإنت في شنو؟ البلد مولعة، والمواطن مشرّد، والحرب أكلت الأخضر واليابس، تقوم تكتب عن الرياضة والفن؟)
وأنا أتفهم هذا العتب، بل أحترمه، لكن دعوني أسأل بهدوء:
هل المطلوب منا أن نطفئ كل شموع الحياة لأن الظلام كثيف؟
ـ الرياضة ليست ترفًا، بل متنفس وطن. وفي زمن الأزمات لا يعيش الإنسان على الأخبار الثقيلة وحدها؛ الناس تحتاج إلى فسحة، إلى لحظة تنفس، إلى هدف يسعدها ولو لدقائق.
ـ الطفل الذي يلعب الكرة في حوش المدرسة لا يخون وطنه، بل يتمسك بالحياة. والمشجع الذي يفرح لهدف لا يتجاهل المأساة، بل يقاومها بطريقته. الرياضة توحد حين تتفرق السياسة، وتجمع حين تشتت الحرب، وتخلق مساحة نقية يتساوى فيها الجميع تحت راية فريق أو حلم.
ـ الفن ذاكرة الشعوب وضميرها. وحين نستمع إلى أغنية للراحل مصطفى سيد أحمد، هل نهرب من الواقع؟
أم نستعيد وجدانًا سودانيًا خالصًا ظل يقاوم القبح بالجمال؟
ومثلًا، عندما نستمع إلى أغنية (والله بيناتنا المسافة) لا تبقى المسافات كما هي؛ تتلاشى مسافات الحزن، وتنكمش جغرافيا الفراق، وتقترب خطى الحب والشوق من بعضها البعض.
ـ الفن في أزمنة الشدة ليس ترفًا، بل دواء. هو الذي يحفظ الروح من التصحر، ويمنع القسوة من أن تستوطن القلوب.
ـ هل نختزل الوطن في الحرب فقط؟ الوطن ليس بندقية وصوت مدفع فحسب؛ الوطن أيضًا ملعب ترابي في حي شعبي، وأغنية طمبور في مساء الخرطوم، وضحكة، وضجة، وهتاف في إستاد، وحلم طفل يرتدي فانيلة فريقه المفضل.
ـ إذا توقفنا عن الحديث عن الرياضة والفن فكأننا نقبل بأن الحرب انتصرت على تفاصيل حياتنا كلها، ونحن لا نريد لها هذا الانتصار.
ـ حين نكتب عن الروح الرياضية، أو ندعو إلى نبذ التعصب بين جماهير الهلال والمريخ، أليست هذه رسالة وطنية؟
ـ حين نذكّر الناس بأن الخلاف في المدرجات لا يفسد للود قضية، أليس ذلك مساهمة في تخفيف الاحتقان؟
ـ الفرح ليس خيانة. والمواطن الذي فقد بيته أو استقراره، أليس من حقه أن يفرح بهدف؟ وأن يبتسم لصورة قديمة؟ وأن يطرب لأغنية تعيده إلى زمن أجمل، وإلى ذكرى حبه الأول؟
ـ حين نناكف جماعة وصيفنا الدائم ونشاكسهم بشيء من الدعابة المحببة، فذلك من طقوس الفرح الجميل في عالم الكرة، وهي مناكفات بطعم الضحكة.
ـ الفرح ليس خيانة للألم، بل هو مقاومة له. وفي زمن الحرب نحن لا نحتاج فقط لمن يصف الجراح، بل نحتاج أيضًا لمن يحرس ما تبقى من بهجة.
ـ لهذا نكتب عن الرياضة، ولهذا نكتب عن الفن؛ لأن الوطن، حتى وهو جريح، يستحق أن نتشبث بكل ما يجعله حيًا في قلوبنا.
ـ فلنمسك بطرف الخيط المضيء في هذا الليل الطويل.
لنسمح لقلوبنا أن تفرح دون شعور بالذنب، وأن تبتسم دون خوف من الاتهام.
ـ التفاؤل ليس إنكارًا للواقع، بل إيمان بأن الغد يمكن أن يكون أجمل.
ـ دعونا نحيي في بيوتنا صوت الضحكة، وفي شوارعنا صدى الأغنية، وفي ملاعبنا نشوة الهدف؛ فالوطن الذي يعرف الفرح لا يموت، والوطن الذي يحافظ على بهجته مهما تكاثفت عليه الغيوم لا بد أن يرى الشمس من جديد.
ـ لنكتب للحياة، وننحاز للأمل، ونزرع الفرح حيثما استطعنا؛ فربما كانت ابتسامة صغيرة اليوم بداية وطن معافى غدًا.











