ذكرياتي مع الشيخ الوالد محمد أحمد حسن .. الحلقة الخامسة
الدعوة في زمن الرصاص… والرحمة التي لا يعلم بها أحد
عرضٌ كريم لعملية الركبة… والشيخ يعتذر بتواضع
من كواليس الاستديو .. يا شيخ شوف لي عريس!”
كفالةٌ في صمت .. أيتام في قلبه وخيرٌ لا يعلمه أحد
لم يكن ينتمي إلى حزب أو جماعة.
بقلم الدكتور الإعلامي : محمد عثمان
في هذه الحلقة الخامسة من ذكرياتي مع الشيخ الوالد محمد أحمد حسن، أستعيد مواقف تكشف جانبًا عميقًا من شخصيته؛ شيخٌ لم تكن الدعوة عنده كلمات تُقال، بل حياة تُعاش، وخيرًا يُفعل في صمت، وإصلاحًا بين الناس لا يبتغي به جزاءً ولا شهرة. مواقف إنسانية مؤثرة، تختلط فيها الجرأة بالتواضع، والرحمة بالحزم، وتظهر فيها معاني الزهد والإخلاص بأوضح صورها.
فعل الخير
كان الشيخ – رحمه الله – حريصًا على فعل الخير رغم كِبَر سنّه؛ يسافر شرقًا وغربًا، شمالًا وجنوبًا، متجاوزًا حدود البلاد من أجل الدعوة إلى الله وفعل الخير. وفي وقتٍ لم يكن آمنًا، اتصلت به ذات مرة، فقال لي:
“أنا في كادوقلي، عندي محاضرة، وهناك إطلاق نار حاليًا، وقد أُحضِرتُ إلى بيت الوالي”.
كان – رحمه الله – كثير الذكر والتهليل والتسبيح، والصلاة على رسول الله ﷺ، والحوقلة، وترديد:
“لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير”؛
كان يُكثر منها كثيرًا.
وكانت دعوته – بإذن الله – مستجابة.
كان محبًا للأيتام، وكثيرًا ما يحدثني أنه يعرف أعدادًا كبيرة منهم، فإذا أراد أحد الناس توزيع زكاة ماله، دلّه عليهم.
وبعد وفاته، تواصلت معي الأخت صفاء، وقالت إن الشيخ كان يكفل أبناءها الأيتام بمبلغ شهري منذ عام 2013م، ويدفع إيجار منزلهم ورسوم مدارسهم وترحيلهم، ولم يكن أحد يعلم بذلك، رغم أنها كانت تأتي شهريًا لاستلام المبلغ من منزله، دون أن يشعر أحد من أسرته.
وقالت إن الشيخ اتصل بها يوم 22 رمضان قبل وفاته بأيام، وطلب منها أن تأتي إليه. فوجدته قد كتب اسمها على ظرف، وحدد التاريخ والمبلغ. قالت له: “لسه الشهر ما انتهى!”، كما أعطاها رسوم المدارس والترحيل، فقالت: “المدارس مقفولة وما محتاجين القروش الآن”. فأجابها: “الدنيا ما معروفة يا بتي، خَلّي القروش دي معاكِ”.
وخرج معها حتى ركبت الركشة، وقال: “سلّمي على أولادك”، وظل واقفًا ينظر إليها حتى ابتعدت، وكأنه يودّعها.
لم يكن ينتمي إلى حزب أو جماعة.
زارَه نائب الرئيس الحاج آدم في رمضان ضمن برنامج “الراعي والرعية”. وعندما تم تكريمه بكى الشيخ. سألته في اليوم التالي: “لماذا بكيت؟” فقال: “أنا منو عشان يجي نائب الرئيس البيت؟!” فقلت له: “هم الذين يتشرفون بزيارتك”.
لم يكن يرد طالب شفاعة. ذهب مرة للإصلاح بين زوجين، لكن أهل الزوجة رفضوا النقاش، فخرج مكسور الخاطر، وقال للرجل: “نحاول معاهم بعد مدة”.
وسافر مرة للشفاعة في قضية قتل خارج السودان، لكن أهل الدم أصرّوا على القصاص، فعاد حزينًا، وقال لي: “ما قدرت أقعد، حسّيت المدينة ضيقة لأني ما قدرت أعمل الحاجة الجابوني عشانها”.
ومن عجيب مواقفه أنه رفض حضور جلسة محكمة لقريب له، وقال: “أخاف القاضي يعرف إنه قريبي فيجامِلني”.
وكان حريصًا على زيارة أبناء أصدقائه المتوفين، ويقول: “كان أبوهم رجلًا صالحًا… رجل خير وبر”.
علاقة اسرية
كانت علاقتي مع الشيخ علاقةً أسرية، فيها من المودة والمحبة الشيء الكثير، كما كانت علاقتي جميلة بأبنائه وزوجته – ربنا يديها الصحة – التي كانت كثيرًا ما تقول لي:
“صاحبك رجلينو واجعاه، ما داير يسمع الكلام ويقعد في البيت!”
وأحيانًا كانت توصيني عليه إذا خرجنا سويًا، وعندما يتأخر الشيخ عن العودة إلى المنزل، يتصل بهم قائلًا: “أنا مع محمد عثمان”، فيطمئنوا.
وفي إحدى لقاءاته على قناة النيل الأزرق، سأله الزميل محمد عثمان عن علاقتنا، فقال الشيخ:
“بيناتنا مودة ومحبة عميقة جدًا، وإن شاء الله تبقى للأبد”.
نسأل الله أن تبقى للأبد.
كان أحيانًا يقول لي: “أنا عازمك سمك بكرة في مطعم كذا”، فنذهب سويًا إلى المطعم ثم نعود. ومن كثرة من يسلّمون عليه هناك، حتى إنه لا يستطيع أن يأكل، أصبح المسؤول في المطعم يخصص له مكانًا محددًا نجلس فيه ونغادر دون أن يراه أحد.
لم يكن يرد أحدًا يطلب رقمه، وأحيانًا كانوا يطلبونه مني، فيقول لي: “أديهم”.
قابلني أحد الاستشاريين وزوجته في الرياض، وسألني عن الشيخ، فقلت له: الحمد لله بخير، لكنه يعاني بعض الآلام في الركبة. فقال لي: أخبر الشيخ أني متكفل بالكامل بقيمة عملية تغيير الركبة، سواء في السودان أو في السعودية، مع تحمل جميع التكاليف. وأضاف أن أحد كبار استشاريي العظام سيكون موجودًا في السودان في يوم محدد لتقييم حالته.
فلما أخبرت الشيخ، قال لي: “قل للدكتور جزاك الله خير… الركبة دي بتمشيني باقي العمر”.
وفي إحدى المرات، وقبل دخولنا إلى الاستديو، جاءت سيدة أمريكية من أصل سوداني وقالت للشيخ مازحة: “يا شيخ، شوف لي عريس!”، فرحب بها وقال: “حاضر إن شاء الله”.
ولما دخلنا الاستديو قال لي مبتسمًا: “يا محمد عثمان، ناس الروق ديل ما في زول منهم داير يعرس نخليه يعرس البنية دي؟!”
وأصبحت تلك السيدة تتردد على القناة، وتسأل الشيخ في كل مرة ضاحكة:
“لقيت لي عريس ولا لسه؟!”
رحم الله الشيخ الوالد، فقد كان قريبًا من الناس… بسيطًا في حضوره، كبيرًا في أثره.












