مواقف وسوالف
خالد الضبياني
في وطنٍ أنهكته الحرب وتفرقت فيه المدن والملاعب والجماهير بقيت كرة القدم واحدة من الأصوات التي تقول إن السودان ما زال حيًا وإن هذا الشعب رغم كل الألم لم يفقد قدرته على الحلم.
لم تكن كرة القدم السودانية بعيدة عن تداعيات الحرب. فقد أغلقت ملاعب وتوقفت أنشطة وتشتتت أندية وغادر لاعبون ومدربون وإداريون إلى مدن ودول مختلفة بحثًا عن الأمان. وتبدلت خارطة المنافسات وأصبح مجرد إقامة مباراة في ظروف طبيعية إنجازًا يستحق التقدير. لكن الكرة السودانية لم تستسلم.من داخل هذا الواقع الصعب ظل اللاعب السوداني يركض خلف الكرة وكأنه يركض خلف الحياة نفسها. وظل المشجع ينتظر الخبر الرياضي ويتابع فريقه ويبحث عن لحظة فرح وسط بحر من الأخبار المؤلمة.
كرة القدم هنا لم تعد مجرد تسعين دقيقة بين فريقين أصبحت مساحة للأمل ونافذة صغيرة يرى من خلالها السودانيون وطنهم بصورة مختلفة.والأهم أن الرياضة أثبتت مرة أخرى أنها قادرة على جمع السودانيين عندما تعجز أشياء كثيرة عن ذلك. فالهلال والمريخ والأندية المختلفة والمنتخبات الوطنية ليست مجرد أسماء رياضية بل جزء من الذاكرة والوجدان السوداني.وفي الوقت الذي تتسع فيه آثار الحرب تحتاج الكرة السودانية إلى أكثر من تنظيم مباريات ومنافسات. تحتاج إلى مشروع حقيقي لإعادة بناء الرياضة يبدأ من الملاعب والبنية التحتية ويمر بتأهيل الأندية والاتحادات ولا يغفل عن رعاية اللاعبين الشباب واكتشاف المواهب.
السودان يمتلك مواهب كروية كبيرة لكن الموهبة وحدها لا تكفي. فالنجاح الرياضي يحتاج إلى إدارة محترفة وتخطيط طويل المدى واستثمار حقيقي في الناشئين ودعم للأندية وبيئة رياضية مستقرة.ولأن كرة القدم جزء من المجتمع فإن عودتها القوية يمكن أن تكون جزءًا من عودة السودان نفسه.نحن لا نريد كرة قدم تعيش على ردود الأفعال أو الإنجازات الفردية فقط بل نريد مشروعًا يجعل الرياضة إحدى أدوات بناء المستقبل.
قد تتغير الملاعب وقد تتوقف البطولات وقد تتعثر الأندية لكن روح اللاعب السوداني لا تتوقف.ذلك الطفل الذي يركض خلف كرة في حي شعبي وتلك الجماهير التي تصنع من المدرجات لوحة من الفرح وذلك اللاعب الذي يرتدي قميص السودان ويقاتل من أجل الشعار جميعهم يؤكدون أن السودان مهما اشتدت عليه المحن لا يزال قادرًا على صناعة الفرح.السودان الذي لا يموت ليس مجرد شعار إنه شعب يعرف كيف يحوّل الألم إلى أمل والملعب إلى مساحة للحياة وكرة القدم إلى رسالة تقول سنعود.













