دخل بين ألسنة اللهب وخرج حاملاً حياة طفلة

غامر بحياته وانتزع الطفلة من بين النيران
مروءة أبو فهد تكتب فصلاً إنسانياً خالداً
تصفيق لدقائق يكرّم بطل ليلة العنود
إبراهيم عوض ـ آكشن سبورت
تصويرـ بشير صالح
هناك مواقف لا تحتاج إلى كثير من الكلمات لتكشف معادن الرجال، ولحظات فاصلة لا تمنح الإنسان وقتاً للتفكير أو حساب المخاطر، وإنما تضعه مباشرة أمام اختبار الشجاعة والضمير.
في واحدة من تلك اللحظات، كان سلطان بن فهد الحربي «أبو فهد» على موعد مع موقف سيظل محفوراً في ذاكرة الطفلة السودانية العنود عبد الله الطريفي، وكل من عرف قصتها. لم يكن رجل إنقاذ يؤدي واجبه، ولم تربطه بالعنود أو أسرتها معرفة سابقة، لكنه رأى طفلة تحاصرها النيران، فاختار أن يغامر بحياته لينقذ حياتها، مقدماً صورة ناصعة للنخوة والمروءة التي عُرف بها أبناء المملكة العربية السعودية.
لحظة الحادث
بدأت القصة عندما تصادف وجود سلطان الحربي في موقع الحادث، بينما كان مسافراً برفقة أسرته. شاهد السيارتين المتصادمتين والنيران تشتعل فيهما، فيما كان المشهد يزداد قسوة مع مرور اللحظات.
أدرك «أبو فهد» أن فرصة إنقاذ بقية الضحايا قد تلاشت، بعدما اقتربت جثامينهم من التفحم والتصقت ببعضها، لكن الطفلة العنود كانت لا تزال أمام فرصة للنجاة.
هنا لم يقف سلطان متفرجاً، ولم ينتظر وصول فرق الإنقاذ، فالوقت كان يعني حياة طفلة أو موتها.
وسط النيران
غامر «أبو فهد» بحياته واقتحم دائرة الخطر لإنقاذ العنود، غير عابئ بما يمكن أن يصيبه. وتمكن، بشجاعة ومروءة نادرتين، من إخراج الطفلة من بين النيران، لكنه لم يخرج من المواجهة من دون ثمن، إذ أصيب بحروق في أجزاء من جسده.
وبمجرد إنقاذها، سارع إلى طلب سيارة الإسعاف، التي وصلت إلى الموقع ونقلت العنود إلى المستشفى، قبل أن تصل سيارة إسعاف أخرى لنقل جثامين ضحايا الحادث إلى المشرحة.
كان الفارق بين الحياة والموت بالنسبة إلى العنود دقائق قليلة، وكان سلطان الحربي الرجل الذي قرر ألا يترك تلك الدقائق تمر.
موقف مستمر
لم تنته قصة «أبو فهد» بمجرد إخراج العنود من السيارة المشتعلة، ولم يعتبر أن مهمته انتهت عند باب سيارة الإسعاف.
واصل متابعة حالتها والاطمئنان عليها، وسعى إلى إيصال خبر الحادث إلى أهلها، كما نقل تفاصيل ما جرى إلى الإخوة في الرابطة الرياضية بقيادة الدكتور تاج السر ابن عوف، الذين تولوا متابعة الأمر بعد ذلك.
وهنا اكتملت صورة الموقف؛ فالشجاعة أن تنقذ إنساناً من الموت، والمروءة أن تظل إلى جواره بعد زوال الخطر.
رعاية كريمة
وحظيت العنود بعناية خاصة من أمير منطقة القصيم، صاحب السمو الملكي الأمير الدكتور فيصل بن مشعل بن سعود بن عبد العزيز، الذي زارها في المستشفى ووجّه بعلاجها ورعايتها، في امتداد للاهتمام الإنساني الكبير الذي أحاط بقضيتها.
كما حظيت قصتها باهتمام على أعلى المستويات، لتتحول مأساة الطفلة التي فقدت أسرتها في الحادث إلى قصة تكافل ومساندة، اجتمع حولها الجميع حتى استعادت العنود الأمل وسط أحزانها.
بطل الليلة
وفي الليلة الختامية لبطولة «العنود تجمعنا» بمنطقة القصيم، كان سلطان الحربي أحد أبرز أبطال المشهد.
فما إن ذُكر اسمه حتى ضجت القاعة بالتصفيق، ووقف الحضور لأكثر من دقيقتين تعبيراً عن تقديرهم واحترامهم للموقف البطولي الذي صنع الفارق بين الحياة والموت لطفلة لم يكن يعرفها من قبل.
لم يكن التصفيق لشخص بقدر ما كان احتفاءً بقيمة إنسانية كبيرة، وتحيةً لرجل اختار في لحظة الخطر أن يقدم حياة إنسان آخر على سلامته الشخصية.
كلمات مؤثرة
ولم يمضِ «أبو فهد» من القاعة دون أن يترك أثراً آخر، فقد جاءت كلماته خلال الحفل امتداداً لموقفه يوم الحادث، وعكست تواضع رجل لم يتعامل مع ما فعله باعتباره بطولة تستحق الاحتفاء، وإنما واجباً إنسانياً كان سيقوم به أي شخص يحمل في داخله قيم المروءة والنخوة.
وعندما حانت لحظة تكريمه، عادت القاعة لتضج بالتصفيق، وتكرر المشهد عند مغادرته، في تعبير عفوي عن محبة الحضور وامتنانهم.
معدن الرجال
هكذا تُكتب قصص الرجال؛ ليس بما يقولونه عن أنفسهم، وإنما بما يفعلونه عندما تأتي اللحظة التي لا تحتمل التردد.
كان بإمكان سلطان بن فهد الحربي أن يقف بعيداً عن النيران، وأن ينتظر وصول فرق الإنقاذ، وأن يقول إنه كان برفقة أسرته وإن حياته مسؤولية، ولن يلومه أحد. لكنه اختار طريقاً آخر، وتقدم نحو الخطر ليمنح طفلة لا يعرفها فرصة جديدة للحياة.
وهكذا هم أبناء المملكة العربية السعودية، الذين عُرفوا بالنخوة والشهامة وإغاثة الملهوف والوقوف إلى جانب المحتاج.
سيظل اسم «أبو فهد» جزءاً أصيلاً من قصة العنود؛ ففي اليوم الذي فقدت فيه أسرتها، شاء الله أن يسخر لها رجلاً غريباً عنها، اقتحم النيران من أجلها وخرج منها حاملاً أملاً جديداً.
وإذا كانت العنود قد خرجت من ذلك الحادث الناجية الوحيدة، فإن سلطان الحربي خرج منه شاهداً على أن المروءة لا تزال حية، وأن بعض البطولات لا تحتاج إلى ميداليات.. يكفي أن تكون جائزتها حياة إنسان.











