صلاح محمد عبد الدائم (شكوكو)
▪️ الناس بطبيعتهم مختلفون في مشاعرهم وعواطفهم تجاه الأمكنة والبعاد والناس.
▪️ بعض الناس على شاكلة من المودة والتعاطف يفوقون غيرهم في مثل هذه المشاعر.
▪️ الحقيقة أنني لم أرَ توقاً وشوقاً جارفاً للسودان بهذا القدر الذي يملكه هذا الرجل الصوفي الشفيف.
▪️ هذا الرجل في أعماقه حنين جارف للرفاق والزملاء والأمكنة والوطن عموماً.. وبصورة أدق، له توق خاص للإذاعة السودانية والعاملين فيها وممراتها ودهاليزها واستديوهاتها.
▪️ نحن في هذه البلاد.. نعيش بعيدين عن ديارنا وأهلينا.. فارقنا الوطن والأمكنة والخلان والأهل بسبب الحرب.
▪️ في دواخلنا مبررات كثيرة نسوقها لأنفسنا تبريراً لهذا البعاد عن الوطن.
▪️ بين طيات هذه المبررات نجد السلوى والصبر واليقين.. نصابر تارة ونتصابر تارات أُخر.
▪️ لكنه على نحو مختلف من كل هذا.. إذ كلما هاتفته أو التقيته أجد بين طيات عباراته بعض العبارات التي أحس فيها حرارة هذا التوق المحبوس في دواخله.
▪️ «لمتين؟؟».. «ما قربنا؟؟».. «الرجعة ما قربت؟؟» كلها كلمات ودلالات في دواخلنا ولا نبوح بها.. لكنه يجاهر بها كلما التقيته.
▪️ هذا في تقديري حنين فياض ونفس زاكية وإحساس مرهف للأمكنة والناس والوطن.
▪️ هو في الحقيقة غير قادر على حبس مشاعره.. فهو رغم صخب هذه المدينة لا يحس بالانتماء إليها.. ولا يحس بأنها الحاضنة التي ألفها.. لذلك يظل تواقاً للعودة والأوبة، رغم أن الأيام والشهور، بل السنوات، قد مرت وهو يعدها عداً..
▪️ هو يعتصرها ويعايشها ويجترها مع كل مشهد يراه في التلفاز أو جاء في كلام عابر بين الزوار والأهل.. وكأنني أراه يعيش هناك بروحه.
▪️ الرجل ما فتئ يذكر الزملاء ويسأل عنهم.. وكلما علم بخبر يتعلق بزميل أو جار أو صديق تجده متأثراً للحد الذي يجعله يحبس دموعه.
▪️ ديدن المبدعين المخلصين أنهم على هذه الشاكلة من الأحاسيس والمشاعر الدفاقة.. تهزهم الأحداث هزاً.. ويؤلمهم هذا البعاد الذي طال.
▪️ علم الدين حامد خرباش، ذلكم المذيع الرائع الذي دخل البيوت عبر الأثير.. من خلال أروع البرامج التي قدمها في زمانات السعة والاختيار.
▪️ إنه ذلكم الصوفي المتوهج الذي تملأ جوانحه المشاعر وتتنازعه الأشواق للوطن، وهو يغالب ذاته للبقاء هنا.
▪️ يغالب كذلك دموعه ويصبر ذاته للمكوث والتعايش.. رغم أن هناك عائلات من أهله ومجموعات من الأصدقاء والزملاء حوله.. لكنه بين كل هذا في شوق جارف للاندياح ولقاء الأحبة والأصحاب في ربوع الوطن الحبيب.
▪️ رغم أن مصر ليست بغريبة عليه.. فقد درس فيها.. وله فيها ذكريات ونفحات.. لكنه الآن يعلم أن ظروفه فيها ليست على ذلك النحو.. وهو هنا مُكره للمكوث حتى تنجلي تبعات الحرب التي مرت علينا.
▪️ قبل شهر أو يزيد، لبينا دعوته لحضور زواج ابنه «حامد» بالقاهرة.. هذا الحفل الذي أمّه لفيف من الأهل والأحباب والمعارف والزملاء، وكان الرجل يطوف بينهم بالترحاب ودموعه تتحدر من عينيه حنيناً.. يصافح الجميع وكأنه أحس بالحياة في وجوههم.. وكأن صالة الفرح قد أعادته إلى «صالة العرض» التي قدم فيها روائعه..
▪️ امتلأت جوانحه بفيض من المشاعر وهو محاط بدفء الأهل ومودتهم وتطويق الحاضرين.
▪️ ظل الرجل يقول: نحن لم نغادر الوطن إلا مكرهين، وكنا نحسبها أياماً ونعود.. إذ لم نكن نتخيل يوماً أن نغادر الوطن أو أن تغيب شمس الطمأنينة التي فيه.
يتبع..













