إعلامية وكاتبة تروي لـ«آكشن سبورت» حكايات الكلمة والحنين والصمود

الكلمة الصادقة أقصر الطرق إلى القلوب
الإعلام والكتابة رحلة بين الأمل والألم
في الغربة نصنع وطنًا جديدًا بالمحبة
الكتابة تبدأ حين يهدأ صخب العالم
آكشن سبورت ـ الفاضل هواري
الإعلام والكتابة بالنسبة إلى الأستاذة وجدان عبد الرحيم عبد المجيد ليسا مجرد مهنة أو حضور أمام الميكروفون، بل مساحة رحبة للتعبير عن الإنسان والاقتراب من مشاعره والتقاط ما يختبئ خلف الكلمات من حكايات وتجارب. وبين القلم والمنصة، صنعت لنفسها حضورًا في الأوساط الثقافية والإعلامية، مستندة إلى جرأة الطرح، وعمق السؤال، والقدرة على ملامسة التفاصيل الإنسانية.
وُلدت وجدان في المملكة العربية السعودية، ونشأت ودرست في مدارسها، قبل أن تخوض تجارب حياتية وإعلامية متعددة، عُرفت خلالها بصوت أنثوي جريء ومتفرد، وبصلابتها في مواجهة تقلبات الحياة وظروف الاغتراب. كما حملت تجربتها في جمهورية مصر بصمتها الخاصة، بما اختزنته من مواقف ومشاعر تتقاطع فيها خيوط الأمل والألم والحنين والصمود.
وبين تجربتها في الكتابة بصحيفة «الحياة»، والوقوف أمام الميكروفون في إذاعة «ساهرون»، ومساحات الاغتراب التي أضافت إلى تجربتها الإنسانية الكثير، تشكلت رؤيتها للكلمة والحوار والإنسان، وأصبحت ترى الإعلام نافذة يمكن أن تطل منها على هموم الناس وأحلامهم.
وفي حوارها مع صحيفة «آكشن سبورت»، أبحرت بنا في فضاءات الكتابة والإعلام والغربة والذكريات، وتحدثت عن طفولتها، وصناعة الحوار، والصداقة، والثقافة، والحرب، والمغتربين، والمرأة السودانية، كاشفة عن جوانب من تجربتها التي صنعتها محطات متعددة بين الوطن والمهجر.
ـ وجدان اسم يسكن المشاعر.. ماذا يعني لك؟
الاسم مسؤولية كبيرة. «وجدان» يعني أن أحمل إحساس الناس قبل كلامهم، وأن أكون الصوت الذي يعبر عن القلوب التي لا تجد من يسمعها. هو أن يسكن الإنسان في تفاصيل الآخرين ويشعر بفرحهم ووجعهم كأنهما جزء منه.
ـ متى تأتيك لحظة الكتابة الحقيقية؟
أكتب في اللحظات التي تتملكني فيها «النشوة الذهنية»، وغالبًا ما تكون في ساعات الفجر الأولى أو بعد منتصف الليل، حين يهدأ العالم ويصبح الصوت الداخلي هو الأعلى. أكتب عندما تتبلور الفكرة في رأسي وتتشكل كحلم يقظة لا أستطيع مقاومته.
ـ كيف تختارين اللحظة المناسبة لسؤال ضيفك؟
أوجه السؤال في اللحظة التي أشعر فيها بأن الضيف فتح قلبه وبدأ يتحدث من أعماقه. لا أسأل من أجل السؤال، بل عندما تظهر ثغرة صدق أو وجع أو أمل في كلامه. التوقيت عندي نصف نجاح الحوار.
ـ ما رأيك في الأسئلة الرمزية العميقة؟
أجدها أسئلة عميقة وراقية. ليست أسئلة عابرة، بل ترسم بالكلمات لوحة وتجبرني على الغوص داخل نفسي والبحث عن المعنى قبل الإجابة. هي أسئلة تحترم عقل المتلقي وتثري الحوار، وشكرًا لك على هذا العمق.
ـ ماذا يمثل الاعتذار في العلاقات الحميمة؟
الاعتذار كلمة صادقة تخرج من القلب، ويتبعها فعل يصلح ما أفسده الموقف. في العلاقات الحميمة لا مكان للكبرياء. الاعتذار شجاعة للحفاظ على الود، واعتراف بالإنسانية المشتركة.
ـ كيف ترين الغربة بعد كل تجاربك؟
الغربة هي غربال الحياة. تسقط منها كل الأشياء الزائفة ويبقى الأصيل. هي وجع الفقد والحنين، وفي الوقت نفسه مدرسة للصمود والنجاح. تعلمنا كيف نصنع وطنًا داخلنا، وكيف نندمج وننجح ونحن نحمل هويتنا في قلوبنا.
ـ ماذا بقي من مراتع الصبا في الذاكرة؟
مراتع الصبا كانت في الكلاكلة الوحدة. كانت رائحة المطر على التراب، وصوت الجدات في الحوش، ولمّة الأهل الكبيرة. كانت البراءة بلا حسابات، واللعب في الشارع حتى المساء، والأمان الذي لا يتكرر. كانت الحياة بسيطة وجميلة.
ـ من أين تبدأ صناعة الحوار مع الضيف؟
صناعة الحوار تبدأ من لحظة اختياري للضيف. أقرأ عنه، وأستمع إليه، وأعيش تجربته، ثم تأتي الأسئلة كأنها امتداد لروحه. لا أكتب الأسئلة قبل أن أفهم الإنسان الذي سيجلس أمامي.
ـ هل يترك الاغتراب الأماكن خالية فعلًا؟
أؤكد ذلك بشدة. الغربة تبدأ بكرنفال وداع ودموع وفرح مختلط بالخوف، وبعدها تكتشف أن «الفريق فعلًا أصبح خلا». الأصحاب تفرقوا والأماكن تغيرت، لكننا نتعلم أن نصنع فريقًا جديدًا من المحبة في كل مكان نذهب إليه.
ـ أي قصة من الغربة بقيت بذاكرتك؟
قصة لا أنساها لأم سودانية كانت تدرّس أبناءها في الغربة على ضوء هاتفها لأن الكهرباء انقطعت. كانت تبتسم وتقول: «عشان بكرة يكونوا أحسن مني». هذا هو الصمود السوداني الذي يبكيني ويملؤني فخرًا في آن واحد.
ـ لمن ترسلين باقة الحب والامتنان؟
كل الشكر والمحبة والإخاء للباشمهندس سراج حسن الزبير، الذي وجدت عنده المودة، وكان سببًا في تعريفي بالأستاذ الفاضل هواري في صحيفة «آكشن سبورت»، والأستاذ عبد الباقي العوض في قناة الحرة، والأستاذ محمد موسى في إذاعة هلا. لهم مني الشكر والتقدير.
ـ من بقي حاضرًا في ذاكرة الصداقة؟
كل صديقة وقفت معي في لحظة صدق عالقة في الذهن، لكنني لا أنسى من قالوا لي في عز محنتي: «نحن معاك وما بنخليك». كل الحب والاحترام لهم، فالصديق وقت الضيق، وهذه ذكرى لا تمحى.
ـ ماذا تصنع المحبة بالإنسان في الغربة؟
نزرع المحبة لأننا نحتاج إليها لنعيش. في الغربة نصنع عائلة بديلة، وبيتًا بديلًا، ووطنًا بديلًا من الود. المحبة هي جواز السفر الوحيد الذي لا تنتهي صلاحيته.
ـ كيف نفتح نافذة لمساندة متضرري الحرب؟
نفتح النافذة بالمبادرات الصغيرة؛ بنفير، أو مجموعة مساندة، أو كفالة طالب، أو رسالة أمل. لا ننتظر الحكومات ولا المنظمات. نبدأ بأنفسنا، ويدًا بيد نستطيع أن نضيء عتمة كبيرة.
ـ هل الثقافة تقرّب المسافة بين الضيف والمحاور؟
نعم، بالتأكيد. الحوار الجاد والمحترم يكسر كل الحواجز. عندما يأتي الضيف ويجد أنك تقدره وتفهمه، يمنحك من قلبه. الثقافة هي جسر التواد.
ـ ما الذي يميز ثقافتنا السودانية؟
ثقافتنا غنية وفريدة لأنها تقف على مفترق طرق. فيها إيقاع إفريقيا، وعمق الثقافة العربية، وكرم لا يشبهه أحد. نحن شعب الجود والكرم والسماحة، وثقافتنا نعتز بها ونقدمها إلى العالم.
ـ ماذا تقولين عن خريجات إعلام جامعة السودان؟
أقول بكل فخر إن جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا تخرج إعلاميات مثقفات ومتمكنات تقنيًا، ولديهن حضور قوي وأداء مهني عالٍ. هن إضافة حقيقية للمشهد الإعلامي.
ـ كيف تنظرين إلى السودانيين في المهجر؟
أنظر إليهم باعتبارهم سفراء صامدين. هم من يعملون ويبنون ويرسلون ويعلمون ويحافظون على الهوية. وهم عمود مهم لاقتصادنا وصورة السودان في الخارج، ولهم مني كل التقدير والاحترام.
ـ ماذا يمثل نجاح السودانيات في الأعمال بالخارج؟
المرأة السودانية كسرت الكثير من الحواجز، وأثبتت أنها مبدعة وقادرة على إدارة مشروعاتها وصناعة علامتها التجارية الخاصة. واليوم أصبحت صاحبة «براند» وسيدة أعمال ناجحة في الخارج، تقدم نموذجًا مشرفًا وترفع اسم السودان في كل مكان.
وفي تجربة وجدان عبد الرحيم تتداخل الكتابة بالإعلام، والغربة بالحنين، والذكريات بتحديات الحاضر، فيما تظل الكلمة بالنسبة إليها أكثر من مجرد وسيلة للتعبير؛ فهي جسر يصل الإنسان بالإنسان، ونافذة تحمل شيئًا من الوطن إلى البعيدين عنه.
وبين الميكروفون والقلم، وتجارب الاغتراب ومواقف الحياة، تواصل رحلتها وهي تحمل إيمانًا بأن المحبة تستطيع أن تصنع وطنًا في الغربة، وأن الكلمة الصادقة، متى خرجت من القلب، تعرف دائمًا طريقها إلى القلوب.













