صلاح محمد عبد الدائم «شكوكو»
كبرنا.. وتفرقنا.. وتفرقت بنا السبل، وتبعثرنا في بقاع الأرض، وزاد الحنين لأيام لن تعود، وأناس سيصعب جمعهم.
تفرّق شمل الأهل والأحباب، وبقيت البيوت تحتفظ بصدى أصواتهم مع بعض الذكريات.
البيت، في الحقيقة، لا يموت حينما يهجره أهله، لكنه يفتقد ذاته وروحه التي تكسبه معنى أن يكون بيتًا.
يبقى البيت قائمًا في مكانه، لكن أغلى ما فيه هو الذي يرحل، ليبقى مجرد أطلال وآثار لأناس كانوا هنا.
بنظرة متأملة لذلك البيت الذي كان يضيق بنا من كثرتنا، فقد صار اليوم واسعًا لدرجة موجعة.
الغرفة التي كنا نتشاجر فيها على مكان الجلوس صارت فارغة، ولا يُسمع فيها إلا الصدى، والمائدة التي كانت تجمعنا لم تعد تنتظر الجميع، بل لم يعد يجلس عليها أحد.
الأبواب التي كانت لا تهدأ حركتها من الداخلين والخارجين أصبحت صماء لا حياة فيها.
تفرّق شمل الأهل، وتبعثروا في كل وجهة..
هذا سافر يبحث عن رزقه، وذاك حملته ظروف الحياة بعيدًا حتى ما عاد ينظر إلى الوراء، وهذه تزوجت وصار لها بيت وأطفال، وأصبح لها عالمها الخاص، وذاك غادر الدنيا وما فيها، ولم يعد له في البيت إلا صور وذكريات تجترها الأحداث وتحفها الدعوات.
كبرنا.. وربما هرمنا.. والغريب أننا عندما كنا صغارًا كنا نستعجل الكِبَر والاستقلال بأمورنا الخاصة.
كنا نظن أن أجمل ما في الحياة أن نصبح أحرارًا، لكل واحد منا بيته وماله وقراراته. وللأسف، لم يخبرنا أحد أن للكِبَر فاتورة باهظة الثمن، وأن من أثقل بنودها تفرّق الأحباب.
كبر الأب والأم، وهدأت أصواتهما، وأصبحا كالضيوف، وربما صارا ينتظران مكالمة كانت في الماضي لا تعني شيئًا بالنسبة لنا.
تفرّق الإخوة في فجاج الأرض ومناحيها، وهم الذين كانوا ينامون تحت سقف واحد. صار اللقاء بينهم يحتاج إلى إجازة وتذكرة وترتيب وموعد.
حتى الجيران تغيّروا.. أين ذلك الجار الذي كان يدخل دون موعد، ويعرف أفراح البيت وأحزانه، ويأتي بطبق الطعام في بعض المناسبات، ويسأل إن غاب أحدنا؟ صارت البيوت مجرد أبواب مغلقة.. باب بجوار باب مغلق.
تمر السنوات، ونكتشف الحقيقة المتأخرة أن أغلى ما كنا نمتلكه لم يكن البيت، بل الذين كانوا فيه.
لم تكن قيمة الجمعة مجرد حلقة طعام، بل كانت في تجمعنا وتواصلنا واندياحاتنا.
لم يكن جمال العيد في الملابس الجديدة فقط، بل في تلك الوجوه الطيبة التي كنا نراها صباح العيد، ونظن، بسذاجة الأطفال، أنها ستظل موجودة إلى الأبد.
إننا نهمس نصحًا: إن كان والداك موجودين على صفحة الحياة، فأطِل الجلوس معهما، وأكثر من سماع صوتيهما، فقد تشتاق لهذا الأثر.
إن كان إخوتك حولك، فلا تجعل خلافًا صغيرًا يسرق منك سنوات من أعماركم.
الحياة لا تعطينا ضمانًا بأن الأشخاص الذين حولنا اليوم سيكونون في أماكنهم غدًا؛ لذلك لا تجعلوا البيوت تمتلئ بالأثاث وتفرغ من المودة، ولا تجعلوا الهواتف تقرّب البعيد بينما القلوب تبتعد.
ذات يوم سنفهم أن بعض الأيام العادية التي مرت علينا بلا اهتمام كانت، في الحقيقة، أجمل أيام العمر التي ضاعت.
وعندها سنشتاق لبيت مزدحم، ولصوت أم تنادي من آخر الغرفة، ولأب يسأل بحنان: «الناس كلهم جوا؟»، ولإخوة يتشاجرون ثم يضحكون بعد دقائق، ولجار يطرق الباب بلا موعد.
وسنقول من أعماق قلوبنا:
«يا ليتنا عدنا أو عادت الأيام».













