صلاح محمد عبد الدائم (شكوكو)
على صفحة «هنا أم درمان» بالفيسبوك، نقل الأستاذ عادل سيد أحمد ما كتبه الأستاذ سيد أحمد زكي في قروب أهل الإذاعة على الواتساب، حيث استفاض الرجل في وصف فنيات مذيع الربط، مستحضراً تجربة الأستاذة محاسن سيف الدين، قائلاً: «زمان كنت بفتكر أن مهمة مذيع الربط سهلة وتقليدية، لكن عندما تابعت الأستاذة محاسن سيف الدين تعلمت أن الربط فن وإبداع، فعندما تقدم الأستاذة محاسن الفنان عثمان حسين في أي من أغنياته، فإنها تفتح فيك كمتلقٍ مسامات السمع، وتجلسك وكأنك أمام عثمان حسين وحسين بازرعة.. إنها فنانة بارعة متقنة». (انتهى).
علقت أنا بدوري على هذا الحديث الذي شدني وقلت: «هذا بالطبع وأنتم أهل الإذاعة وتعرفون شخصية الأستاذة محاسن سيف الدين، وتعرفون كل المذيعين، لكن دعوني أنقلكم إلى ما خلف المايكروفون، وأنا مستمع جيد للإذاعة المحلية والعالمية.
المستمع الذي لم يشاهد المذيعين ولا يعرفهم إلا عبر الصوت، له أبعاد أخرى أكثر التحاماً، فهو يشاهد المذيعين مشاهدة العين، ليس بالسمع وحده، بل بالخيال الواسع والاستدراك العميق والتشخيص الشخصي. يرسم قناعاته وفق رؤياه الخاصة، بل إنه يصنع السيناريو الخاص باللحظة، وربما القميص الذي يرتديه المذيع.
هذا المستمع تطربه الكلمة الرشيقة، والجملة المتناسقة، والربط المحكم، بل النَّفَس المريح والنطق الواضح والسليم، إلى جانب الوقفات الإيقاعية التي لها ألف معنى.
ظللت أستمع للبي بي سي وصوت أمريكا وراديو كوريا و(أورشليم القدس) وصوت العرب ومونت كارلو وإذاعة فرنسا، منذ أوانات الصبا، وأنا حينئذٍ في المرحلة المتوسطة، واستمعت حينها بعمق لكل الأصوات وللرابطين والمعلقين والمقدمين والقراء، وترسخت في دواخلي بصماتهم.
تفهمت أن هناك أنفاساً وإحساساً وأجراساً راسخة في أعماقي من فنون التقديم وجزالة الكلمة وحسن تقديمها.
لذا فإن الربط أساساً هو محطة مهمة بين ما قُدم قبل قليل وما سيأتي بعد قليل، وهو منطقة وسطى، بل منطقة حية، لأن المستمع يدرك أن الصوت مباشر، والمباشرة تعني الملامسة، خاصة إن كانت البرامج في الغالب الأعم مسجلة (مبسترة). ولعله استراحة وهبوط تكتيكي وفني، ومساحة خضراء للمذيع لأن يقدم صوته، أو لعله إذكاء نَفَس جديد في تسلسلية البرامج، أو لعله حالة استيقاف للمستمع للدخول في القادم من البرامج بتوقيتاتها.
الربط في حقيقة الأمر فن يحتاج إلى معين مترع من العبارات، وذخيرة حية من الكلمات، وقدر من الملامسة، وذائقة مليئة بالمعاني والمباني والكلمات، بما يتناسب والمواقف المختلفة لاختيار الأنسب منها، وتقديمها بتلقائية ومباشرة، وربما دون قراءتها من الورق.
كذلك يعمل الربط على تهيئة أذن المستمع واستثارته للقادم التالي.
هذا بالطبع بخلاف ذلكم الحشد لنبرة الصوت والهدوء وتلاوين الكلمة بما يتناسب والموقف.
(محاسن سيف الدين.. وعمر الجزلي)، ولانحيازهما لعثمان حسين، كانا يقدمانه تقديماً خاصاً.
مذيع الربط وأمامه ورقة (أبوالسيد) التنسيقية (عليه الرحمة)، لا تسعفه إلا ذخيرته الحية للتطواف حول الزمن الفاصل لموعد البرنامج القادم، فيستعرض ويمهد بعدها للبرنامج القادم.
بعدها تقدمت بالشكر الجزيل للأخ الباشمهندس عادل سيد أحمد، ذلكم الفارس الخلوق، على جهده الطيب على منصات التواصل وعمله الهندسي.
الإذاعة السودانية تجمعني بها أواصر مودة منذ أوانات اغترابي بالإمارات، وتواصلي معهم عبر فترة المغتربين من جانب، وعالم الرياضة من جانب آخر، وما زلت على صلة بهم وبالإذاعات المتخصصة.
لكن ما بيني وبين الإذاعة عموماً وصل امتد منذ بواكير الصبا.
التحية من القلب لكل أهل الإذاعة.. أهل الإبداع.
نواضر الود.













