داخل السرب
أيمن مبارك أبوالحسن
كثير من أهل الخرطوم الذين ما يزالون بعيداً عنها تراودهم فكرة العودة.
وإذا قيض الله لك العودة للخرطوم ضع في الحسبان أن تبقى هناك فترة كافية. معظمنا خرج من بيته قبل الحرب وتركنا فيه أشياء … بعضها بقي وجلها ذهب … والبعض لا نعرف عنه شيئاً حتى الآن.
بعد العودة إن شاء الله ستكتشف أن البيت يحتاج إلى أشياء كثيرة … إلى صيانة وإلى إصلاح ما تهدم .. ويحتاج إلى أثاث وأجهزة وربما إلى أشياء أخرى لا نعرفها الآن. ولكن كل هذا على ثقله يبدو مسألة صغيرة.
فأنت تستطيع أن تصلح باباً وأن تشتري سريراً أو تعيد طلاء جدار.. يمكن أن تبدأ حياتك في البيت بأبسط الحدود والإمكانيات .. لكن ماذا تفعل إذا لم تكن هناك كهرباء؟ وماذا تفعل إذا أصبح الماء مسألة تحتاج إلى تدبير يومي؟
هنا تخرج المسألة من حدود الخاص إلى فضاء العام.
بعد تحرير الخرطوم كان مفهوماً أن تتردد الحكومة في دعوة الناس إلى العودة فوراً. فالمدينة خرجت من حرب طويلة ومدمرة … والبنية الأساسية تعرضت لما تعرضت له وكان من الطبيعي أن يقال للناس: انتظروا قليلاً لا تعودوا الآن … دعونا نرتب الأوضاع أولاً.
لكن بعض الناس عاد إلى بيته … وجرب الحياة أياماً أو أسابيع ثم أخذ يحكي تجربته للآخرين. وهنا بدأت صورة الخرطوم تختلف باختلاف من يرويها.
هناك من يقول لك: تعال فوراً… الخرطوم عادت والحياة تمضي والناس موجودون.
وآخر يحذر ويقول: المدينة تحتاج إلى سنوات حتى تعود كما كانت … لا تعودوا الآن…
ونحن أصبحنا في حيرة …
الواقع أن هناك عودة ملحوظة لكنها ما تزال أقل مما يجب أن تكون عليه.
هناك أحياء بدأت تستعيد بعض حياتها -إن لم تكن استعادتها بالكامل – وفي المقابل هناك أحياء أخرى خصوصاً في أجزاء من شرق ووسط الخرطوم وأجزاء من الخرطوم بحري ما تزال خاوية على عروشها ..
الناس متشوقون للعودة لبيوتهم، لكنهم يسألون: هل تتوفر الكهرباء والماء … وكيف سيذهب الأطفال إلى المدرسة؟ وهل يستطيع العامل والموظف أن يعود إلى عمله؟
وهذه أسئلة أساسية لا يمكن أن نطلب من الناس أن يتجاهلوها عندما يقرروا العودة.
مفهوم أن حجم الدمار كبير… بل كبير جداً.
كذلك إمكانيات الدولة محدودة … وما يحتاج إلى الإصلاح كثير ومعقد.
لكن المشكلة فيما يبدو تكمن في تباطؤ العمل … وترتيب الأولويات …
فحين تكون الموارد قليلة تصبح الأولويات أهم من الموارد نفسها.
ليس مطلوباً الآن أن تعود الخرطوم كما كانت دفعة واحدة … لكن في المقابل مطلوب أن تصبح قابلة للحياة وتحتوي على الأساسيات خاصة الكهرباء والماء.
وحين تأتي الكهرباء سيعود المصنع وستعود الورشة ويعود الحداد والنجار وتبدأ المدرسة والمستشفى وتدور العجلة.
وطالما كانت الكهرباء والمياه هما مفتاح عودة السكان… فلماذا لا تتحول قضية إصلاحهما إلى مشروع قومي واضح له جدول زمني معلن ومسؤوليات محددة؟
وإذا كانت إمكانيات الأجهزة القائمة لا تسمح بإنجاز العمل بالسرعة المطلوبة … فلماذا لا تطرح الحكومة هذه المهمة على شركات وطنية كبيرة تملك القدرة الفنية والإدارية والمالية؟
وإذا لا تكفي هذه الشركات فما الذي يمنع من الاستعانة بشركات خارجية متخصصة؟
الناس اليوم لا يحتاجون إلى تشجيع لعودتهم إلى الخرطوم فهم يعرفون الطريق إليها جيداً.
بل يحتاجون إلى تأمين أساسيات الحياة … بل أدنى متطلباتها والمتمثلة في الماء والكهرباء.
ينبغي أن يُرفع هذا الملف إلى أعلى المستويات … وأن يصبح تسريع عودة الكهرباء والمياه أولوية لا تتقدم عليها أولوية أخرى.
افعلوا ذلك … وسيعود الناس إلى الخرطوم زرافات ووحدانا.













