مدار الفهم
فهمي إبراهيم
لم يطرق الغلاء أبوابنا… دخلها دون استئذان، وجلس إلى مائدتنا. مدّ يده إلى صحن اللحمة، فأبعده، ثم أخذ من الزيت، وضيّق على السكر، وأصبح حتى الشاي السادة يحتاج إلى حساب.
في البيت السوداني، لم تعد الأم تسأل: «نفطر شنو؟»، بل تسأل أولاً: «عندنا كم؟».
الأب يدخل السوق بقائمة، ويعود بنصفها. تسأله زوجته: «جبت شنو؟»، فيقول: «الضروري». وتفهم من صمته أن «الضروري» لم يعد كل ما تحتاجه الأسرة، بل ما استطاع الجيب أن يدفع ثمنه.
وفي طرف المائدة، يأتي السؤال البريء: «يا أمي… اللحمة متين؟». تبتسم الأم: «قريب يا بتي… إن شاء الله». لكنها تعرف أن «قريب» لم تعد كلمة عن الزمن… صارت كلمة عن الأمل.
الحرب والسوق
الحرب فتحت الباب… والسوق لا ينبغي أن يتركه مفتوحاً. الحرب عطّلت الإنتاج، وقطعت طرق الإمداد، وشرّدت العمال، وأثقلت كلفة النقل والمعيشة، وكل ذلك ينعكس طبيعياً على الأسعار.
لكن هنا يجب أن نقف. الحرب تفسّر الغلاء… لكنها لا تبرر كل غلاء.
فحين تدخل الأسرة السوق، من حقها أن تعرف: لماذا ارتفع السعر؟ ومن يراقب؟ ومن يمنع الاحتكار؟ ومن يحمي المواطن من استغلال حاجته؟
ليس كل ارتفاع في السعر جشعاً، لكن ليس كل ارتفاع يمكن أن نعلّقه على شماعة الحرب. هناك فرق بين تاجر يحاول أن يبقى واقفاً وسط أزمة قاسية، وبين من يرى الأزمة فرصة ليضاعف أرباحه على حساب مائدة أسرة لا تملك خياراً آخر.
السوق في زمن الحرب مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون مساحة للبيع والشراء. التاجر الشريف يستطيع أن يربح دون أن يخنق الناس، والجهات المسؤولة مطالبة بأن تجعل الرقابة حقيقة يلمسها المواطن، لا مجرد حديث يتكرر بينما الأسعار تواصل صعودها.
فالمواطن الذي أخرج آخر ما في جيبه لشراء الزيت والسكر ليس رقماً في دفتر حسابات. إنه أب ينتظر في البيت، وأم تحاول أن تجعل القليل يكفي، وطفل يسأل عن اللحمة.
اقتصاد الرحمة
الرحمة أيضاً جزء من اقتصاد البلد. قالت حبوباتنا: «الجيب الفاضي بعلمك المشي». ونحن مشينا طويلاً… حتى صار المشوار نفسه يحتاج إلى حساب.
من أم درمان إلى بحري، تدفع أجرة تجعلك تقول: «ياخ أنا ماشي بحري ولا مسافر دبي؟!». نضحك، لأن السوداني يضحك وسط الوجع، لكن خلف الضحكة أب يحسب أجرة العودة، وأم تحسب ما تبقى من مصروف الشهر.
ومع ذلك، يظل في القلب متسع لليقين. يُروى أن أبا حازم سُئل عن غلاء الأسعار فقال: «إن الذي يرزقنا في الرخص هو الذي يرزقنا في الغلاء». وتُروى عن بعض السلف عبارة: «أخفضوها بالاستغفار».
نستغفر الله ونتوكل عليه، لكننا لا نهرب من مسؤوليتنا. نحتاج إلى دعاء يرفع البلاء، وعمل يواجه أسبابه، وسوق يعرف أن وراء كل سعر أسرة.
وفي آخر الليل، تعود الصغيرة إلى أمها: «يا أمي… اللحمة متين؟». تنظر إليها الأم وتقول: «قريب يا بتي… ربنا يفرّجها».
فتنام الصغيرة على الوعد، وتبقى الأم مستيقظة، تعدّ النقود وتحسب ما تبقى من الشهر.
فالحرب لم تؤجل اللحمة وحدها… أجلت معها فرحة الأطفال، وطمأنينة الآباء، ودفء البيوت.
ويبقى السؤال معلقاً بين البيت والسوق: متى تنتهي الحرب؟ ومتى تعود الأسواق إلى إنصاف المواطن، حتى لا يصبح أبسط احتياجات الأسرة معركة جديدة؟
فالغلاء قد يكون من آثار الحرب… لكن حماية الناس من استغلاله مسؤولية لا تسقط بالحرب.













