هل مثّل مأمون الوطن كما ينبغي؟
حين صعد التراث السوداني إلى مسرح تونس
الفروسية السودانية تعبر الحدود بصوت مختلف
أغنية حماس تفتح نافذة السودان عربيًا
من تونس تبدأ رحلة القوة الناعمة
صوت سوداني يعيد اكتشاف كنوز التراث
عبد المنعم هلال ـ آكشن سبورت
ـ عندما وقف الفنان مأمون سوار الذهب على مسرح الأوبرا بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي في تونس، ضمن العرض الموسيقي «سافر إليك وغنِّ»، في ختام الدورة السادسة والعشرين للمهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون، لم يكن يغني باسمه وحده، بل كان اسم السودان حاضرًا معه، وكانت أمامه فرصة ليقول للجمهور العربي شيئًا عن السودان من خلال الأغنية.
ـ شارك مأمون إلى جانب أصوات عربية من مصر وفلسطين وسلطنة عُمان والجزائر والكويت، في مشروع موسيقي أوركسترالي من تصور وتأليف الموسيقار التونسي كريم الثليبي، وبقيادة المايسترو راسم دمّق.
لكن ما جعل المشاركة أكثر إثارة للاهتمام أن مأمون اختار «أخوي تومي»، وهي أغنية من التراث الغنائي السوداني ولون الحماسة والفروسية، وليست مجرد أغنية عاطفية يمكن فصلها عن البيئة التي خرجت منها، وهنا يبدأ النقاش الحقيقي.
فروسية سودانية
ـ ترتبط «أخوي تومي» في وجدان المستمع السوداني بصورة الفارس الكريم والشجاع، وتستخدم مفردات تنتمي إلى بيئة الحماسة والفروسية، من كلمات وألحان أحمد العمرابي، فيما تولى عادل حسن التوزيع والتنفيذ الموسيقي.
والنص يرسم صورة الفارس بمفردات سودانية شديدة الخصوصية، فهو «فارس حوبة» و«صنديد قلبه حار»، فارس تُعرف قيمته بالفعل والكرم والشجاعة، وليس بالفشخرة والكلام والوعود.
بل إن عبارة «أخوي تومي» نفسها تحمل دلالة ثقافية؛ فـ«تومي» تستخدم في بعض السياقات للدلالة على الأخ القريب أو شديد القرب من القلب، وليس بالضرورة الأخ التوأم بالمعنى الحرفي.
إذن، نحن أمام أغنية تحمل لغة وبيئة وقيمًا وشخصية اجتماعية سودانية.
اختيار موفق
ـ هل كان الاختيار موفقًا؟
من هذه الزاوية نعم، فالاختيار يحمل وجاهة كبيرة. الفنان السوداني عندما يذهب إلى مهرجان عربي لا ينبغي أن يحاول تقليد الأغنية المصرية أو الخليجية أو الشامية حتى يصبح مفهومًا؛ لأن قوته الحقيقية تكمن في خصوصيته.
الأغنية التي تحمل إيقاعًا ومفردات وروحًا سودانية واضحة تستطيع أن تقول للآخر: «هذا هو السودان»، و«أخوي تومي» تمتلك هذه الخاصية، لأنها تقدم صورة للفارس السوداني وقيم الكرم والشجاعة والمروءة.
لكن هل يستطيع المستمع العربي فهم كل ذلك؟
هنا تكمن الصعوبة، فمفردات الأغنية سودانية جدًا، وبعضها يحتاج إلى معرفة بالبيئة والثقافة السودانية. قد يستمتع المستمع العربي بجمال اللحن والأداء، دون أن يلتقط كل الدلالات.
والمشكلة هنا ليست في الأغنية، وإنما في طريقة تقديمها. كان يمكن أن تسبقها إشارة قصيرة تشرح أنها أغنية سودانية من لون الحماسة، تقدم صورة الفارس الكريم والشجاع في المخيال الشعبي.
صورة مختلفة
ـ مأمون اختار أن يقدم السودان من باب الفروسية، وهذا في حد ذاته يحمل دلالة مهمة.
لم يقدم السودان باعتباره بلدًا حزينًا يعيش الحرب، ولم يحمل إلى تونس صورة النازح والخراب والدمار، بل حمل الفروسية والكرم والشجاعة.
وفي زمن ارتبط فيه اسم السودان إعلاميًا بالحرب والنزوح والمأساة، يستطيع الفن أن يقول إن السودان ليس حربًا فقط؛ السودان أيضًا شعر وموسيقى وتراث وكرم وفروسية وذاكرة.
لكن هل تكفي «أخوي تومي» لتمثيل السودان؟
بالطبع لا.
الأغنية السودانية أكبر من لون الحماسة، وأكبر من أغنية واحدة وفنان واحد. لدينا الحقيبة، وأغنية الوسط، والغناء الصوفي، والدلوكة، والطمبور، وأغنية البنات، والمدارس الحديثة التي صنعها الكاشف ووردي ومحمد الأمين وعثمان حسين وإبراهيم عوض وزيدان ومصطفى سيد أحمد وأبو عركي والبلابل وغيرهم.
«أخوي تومي» تستطيع تقديم وجه من وجوه السودان، لكنها لا تستطيع اختصار الأغنية السودانية كلها، وهذا هو الفرق بين تقديم أغنية سودانية وتقديم مشروع موسيقي سوداني.
اختيار الفنان
ـ وهل كان مأمون الفنان المناسب؟
هنا أيضًا يجب أن نكون منصفين. المهرجان وضع مأمون ضمن «نجوم المهرجان»، وقدم تجربته الفنية وأعماله، ومنها «ست الريد» و«اذكريني يا حمامة»، فيما أصبحت «أخوي تومي» من الأعمال المرتبطة بتجربته وظهرت معه في «أغاني وأغاني».
إذن هناك انسجام بين الفنان والأغنية؛ مأمون ليس غريبًا عن هذا اللون، والأغنية ليست غريبة عن صوته، وهذا يُحسب له.
وقوة «أخوي تومي» أنها سودانية جدًا. فنحن نخطئ أحيانًا عندما نذهب إلى الخارج ونحاول جعل الأغنية السودانية سهلة إلى درجة تفقد معها هويتها.
المستمع العربي لا يحتاج إلى نسخة سودانية من أغنية عربية، بل يحتاج إلى سماع شيء لا يجده إلا في السودان.
قوة ناعمة
ـ وهنا يبرز السؤال الأكبر: لماذا لا نتعامل مع الأغنية السودانية باعتبارها جزءًا من القوة الناعمة للبلاد؟
لماذا لا يكون لدينا ملف جاهز للمشاركات العربية والدولية؟ ولماذا لا نعيد توزيع أعمال سودانية مختارة بأوركسترا حديثة، ونقدم الحقيبة للمستمع العربي بطريقة تشرح تاريخها، ونجمع الطمبور والدلوكة والحماسة والغناء الصوفي والأغنية الحديثة في مشروع متكامل؟
ولماذا لا تكون هناك قائمة من الفنانين الشباب الذين يجيدون التعامل مع الأوركسترا والمسارح العربية؟
هذه أسئلة أكبر من مأمون، وأكبر من تونس، وحتى أكبر من «أخوي تومي».
حضور سوداني
ـ المشاركة نجحت في شيء مهم لا يمكن إنكاره: السودان كان حاضرًا بصوت سوداني وأغنية ذات ملامح سودانية واضحة على منصة عربية كبيرة.
ولذلك فإن «أخوي تومي» لم تكن مجرد أغنية أمام جمهور تونسي، وإنما فرصة لأن يسمع جمهور عربي أوسع صوتًا سودانيًا مختلفًا.
لكن النجاح الحقيقي يبدأ بعد تونس، والمشكلة أننا كثيرًا ما نحتفل بالمشاركة ثم ننسى ما بعدها.
مأمون ذهب إلى تونس وغنى وعاد.. وماذا بعد؟
هل يمكن أن تصبح «أخوي تومي» مدخلًا لتقديم أعمال سودانية أخرى؟ هل يمكن إعادة توزيعها بأوركسترا كاملة، وشرح مفرداتها للجمهور العربي، واستثمار حضورها في فتح مساحة أكبر للفنان السوداني؟
هنا يكون النجاح الحقيقي.
كنز غنائي
ـ أهم ما في اختيار «أخوي تومي» أنها لم تحاول إخفاء سودانيتها، وهذا ربما أفضل ما يمكن أن يفعله الفنان عندما يمثل بلده.
لا نحتاج أن نذهب إلى تونس لنغني كما يغني الآخرون، بل نحتاج أن نذهب ونقول: هذا نحن.. بلهجتنا وإيقاعنا ومفرداتنا وذاكرتنا والطريقة التي نفهم بها الفروسية والكرم والمروءة.
مأمون سوار الذهب لم يحمل معه إلى تونس أغنية فقط، بل حمل صورة فارس سوداني كريم وشجاع، وهذه رسالة جميلة في زمن يحتاج فيه السودان إلى أن يسمع العالم عنه شيئًا غير صوت الرصاص.
لكننا لا نريد أن نتوقف عند «أخوي تومي»، بل نريد أن نفتح الباب أمام السودان الغنائي كله.
فالسودان لا تنقصه الأغنيات، ولا الأصوات، ولا التراث.. ما ينقصنا هو أن نعرف كيف نخرج بهذا الكنز من الذاكرة السودانية إلى الذاكرة العربية.













