تباشير
د.وليد محجوب
كلما داعبتني نسائم الغيث في ترحالي، أجد أنني ما زلت أغازل حبات المطر حين تُخرِج لنا من تربة شوارع الخرطوم البكر، التي ما عرفت رداء الأسفلت بعد، رائحة الدعاش. تلك الرائحة التي لا تشبه غيرها، كأنها عطرٌ من زمنٍ قديم يُبعث ثانيةً من بين رماد الحرب العبثية. لم أكن أعلم أن الخرطوم مدينة كانت تمنحني الأمان كلما حللت بها، رغم أنها كانت تمسك بقلبي، لا بيدي وحدها. ورغم أنها كانت تتهيأ لي مثل أنثى تستعد إلى لقاء عاشقها. لكنني كنت أغفل عن زينتها تلك، عندما تؤرقني قطوعات الكهرباء، ورداءة الخدمة المدنية، وغلاء الأسعار في أسواقها.
لم أدرك كم كنت أحبها، وأحب شوارعها وهي تهيئ نفسها لموسم الخريف بجسدها المُتعَب وهو ينتظر السماء لتغسله. لم أدرك كم كنت مُجحِفاً في حقها حتى غشيتها غاشية الجنجويد ومزقت رداء عفتها، بعد أن تركناها وحيدة بين أيديهم. انتهكوا تلك المدينة الأنثى التي كانت تتجمل لنا، ولا ندري.
لم تكن الخرطوم مجرد مدينة يسكنها أهلي الذين أعودهم عدة مرات في العام الواحد من مغتربيَ القريب، بل هي نبضٌ ذاكرة مثل النيل حين يجمع شمل طرفيه عند توتي، ملتقى نبي الله الخضر بسيدنا موسى. هكذا يقول أهلها، فلا يُفَرِّق أحد بين الماء وبين الروح التي ترافق حوت نجاتها في مسراه العتيق. شوارعها ليست مجرد طرقٍ عارية لا يكاد الأسفلت يستقر عليها، بل عروقٌ تمتد في وجدان من وُلِدَ بين أحضانها، ومن سكن أحيائها وألِفتهُ أزقتها وحواريها. كل شارعٍ فيها يحكي حكاية، وكل بيتٍ يطلُّ على الرصيف بابتسامةٍ عتيقة كوجه جدتي وهي تطمئن على أشيائها الصغيرة المخبأة تحت سريرها كل صباح. أرصفةٌ موشاة بالسلام على من تعرف ومن لا تعرف، وأسواقٌ تئن تحت وطأة أصوات الباعة، مثل أجراسٍ صغيرةٍ تعلن أن الحياة ماضيةٌ رغم كل شيء.
هناك، في قلب المدينة وفي أطرافها، وجوهٌ تعرفني وأخرى أعرفها. أيدٍ تلتقي بأيدي ثم تعرف بعضها بعد ذلك، حين يتبادلون عبارات سلامٍ تحمل في طياتها دفء السؤال عن الغائب والحاضر وعن كيف الحال. أما الجيران حولي، فهم يرتدون عباءات القربى ويسدوا “الفَرَقَه” في حالات الغياب المتكرر. تجمعنا الأفراح والأتراح وموائد الشارع في رمضان دون تمييز.
كم تمنيتُ لو أن المسافاتَ تصغر حين يشتدُّ الحنين إلى الخرطوم، وأن تُطوى ثياب الشوق بتذكرة طائرة أقضي بها عطلة نهاية الأسبوع هناك. لم أنس حيرتي حين قال لي مديري في العمل: “قروشك كلها مضيعها تذاكر”. كيف يعرف قيمة السفر وهو لن يدرك حجم المتعة لأنه لم يتذوق طعم الارتواء من حديث أمي المتدفق مثل جداول البركل وهي تروي الحقول في بواكير الصباح ورائحة الشاي “المقنن” تجذب أبي. يجلس بيني وبينها، أعرف أنه يحبها على طريقته، استرق السمع تارةً، والنظر تارةً أخرى، ثم أغريه بأسئلتي ليخرج لي من مكنونات ذكرياته عن صباه في أرقو. يتحدث بمتعة من يتقصَّب لحم الضأن المشوي، ولا يتوقف حتى أرتوي.












