تباشير
د.وليد محجوب
ها أنا الآن أقلب صوراً من ذاكرةٍ تئنُّ تحت وطأة البُعد، وطعم مُرٌ لا يفارق حلقي، فقد حرمنا الجنجويد من وصالها، ومزقوا خيط الإلفةِ بيننا وبين شوارعها التي غرسوا فيها شوكَ الخوف بدلاً من رائحةِ الدعاش الطيبة.
ومع ذلك، تبقى الخرطوم في القلبِ لوحةً لن تطمسها النيران، وجمرةً لا تخبو تحت رماد الفقد. لكنَّ وصالها اليوم أصبحَ كالسراب، يراه الظمآن من بعيد، فإذا جاءَه لم يجد إلا أرضاً قاحلةً وريحاً باردةً. الجنجويد سرقوا منا ليس البيوتَ فحسب، بل دفءَ الجيرة ونقاء اللقاء، وأبدلوا البسماتِ بندوبٍ في الوجهِ الجميلِ لمدينتنا.
، ولكن هيهات. فالخرطوم ليست مكاناً، بل حالةٌ تسكن الروح، كالغصنِ الذي ينمو في الحلم، وكالنغمِ الذي لا يُنسى وإن تقادم العهد. هي تلك البسمةُ التي لا تذبل، والمطرُ الذي لا ينقطع عن أرض الذاكرة، مهما طال الغياب، ومهما تكاثرت في العينين غيومُ الانتظار.
… وها أنا اليوم، بعد كل تلك الصور التي رَسَمْتُها من ذاكرةٍ تئنّ تحت وطأةِ البُعد، أقولها بمرارةِ من ذاقَ الغُربةَ مراراً: الجنجويد هم من حَرَمونا من وصالنا. هم من قَطَعوا خيطَ الألفةِ بيننا وبين شوارعنا، وزرعوا في دروبِها المطرَّقةِ شوكَ الخوفِ بدلَ رائحةِ الدعاشِ الطيّبة. هم من جعلوا النيلَ يبكي صامتاً، والمقاهيَ تخلو من ضحكاتِ الرجالِ الذين كانوا يجلسونَ كتماثيلَ لا تخشى إلا فواتَ وقتِ الشاي. هم من حوَّلوا وجوهَ الجيرانِ إلى لوحاتٍ من القلق، والأطفالِ إلى طيورٍ خائفةٍ لا تغرّد إلا في الحلم.
أيُّ وصالٍ بعد أن صارتِ الخرطومُ جرحاً في جنبِ الوطن، وأيُّ حنينٍ يملأ القلبَ وكلُّ زقاقٍ فيها يبكي شهيداً؟ كنا نشتاقُ إلى رائحةِ الترابِ المبتلِّ، فإذا بالترابِ يئنُّ تحتَ وطأةِ الحديد، وكنا نلهثُ خلفَ ضحكاتِ الباعةِ، فإذا بالأسواقِ أطلالٌ تروي حكاياتِ الرصاص. هم من جعلوا المدينةَ التي تسكنُ الروحَ غريبةً في جسدها، وجعلوا عودتنا إليها أشبهَ بعودةِ الغائبِ إلى بيتٍ محترقٍ، يلمسُ جدرانَه ويتذكرُ، ولكنْ لا يجدُ من يُدفئُهُ.
فيا خرطومُ، يا نبضَ الذاكرةِ، يا جنةَ الطينِ والمطرْ، سيبقى حنيني إليكِ كالنهرِ لا ينقطع، لكنَّ وصالَنا اليومَ مؤجلٌ، حتى يرحلَ الغبارُ عن وجهكِ، وتعودِ الجداولُ تجري كعهدِها، ويملأُ الشايُ “المقنن” المجالسَ من جديد، بلا خوفٍ، بلا حارس، بلا جنجويد.
أشتاق إلى ضوضاءِ العصرِ في شارعِ النيل، حيث تتصافح الريح مع خرير الماء، وتتمايل الأشجار كعشاقٍ سكارى. أشتاق إلى مقاهيها المتواضعة، حيث يجلس الرجال كتماثيلَ صامتةٍ، تنظر إلى النهر بعيونٍ تحمل ألف حكايةٍ لم تروَ. أشتاق إلى رائحةِ القهوةِ الممزوجةِ بالهيل، وهي ترتقي إلى الأنف كأنشودةٍ دافئة، وإلى ضحكاتِ الأطفالِ وهم يلعبون في التراب، كأسرابِ عصافيرَ لا تهتم بما فوق السحاب.












