رؤية تقنية
م.طه الصادق طه
هل تحفظ التقنية ذاكرتنا الموسيقية أم تغيّر ملامحها؟
تخيّل أن تسمع أغنية سودانية قديمة بصوت نقي، وكأنها سُجّلت بالأمس… أو تسمع لحناً جديداً يشبه زمن الحقيبة، لكنه كُتب اليوم بواسطة آلة!
هذه لم تعد فكرة من أفلام الخيال العلمي. فالذكاء الاصطناعي أصبح يدخل بسرعة في صناعة الموسيقى، من كتابة الأفكار والألحان، إلى التوزيع وتحسين التسجيلات، وحتى محاكاة أصوات بعض الفنانين.
والأغنية السودانية، بما تحمله من تاريخ طويل وذاكرة جماعية، يمكن أن تكون واحدة من أكثر المجالات التي تستفيد من هذه التقنية.
لدينا أرشيف موسيقي ضخم، لكنه في أجزاء كثيرة موجود على تسجيلات قديمة ومتضررة، وبعضها مهدد بالضياع. وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يلعب دوراً مهماً في ترميم التسجيلات الصوتية القديمة وتحسين جودتها وحفظها رقمياً.
تخيّل مثلاً أن نتمكن من إعادة تنظيف تسجيلات قديمة لأغنيات الحقيبة، أو أعمال فنانين مثل محمد وردي ومحمد الأمين وسيد خليفة، وإتاحتها للأجيال الجديدة بجودة أفضل، مع الحفاظ على النسخ الأصلية.
لكن السؤال الأهم: هل تستطيع الآلة أن تفهم روح الأغنية السودانية؟
الأغنية السودانية ليست مجرد كلمات ولحن وإيقاع. خلفها حكاية وذاكرة وبيئة ولهجة ومشاعر. هناك فرق بين أن تجعل آلة موسيقية تعزف إيقاعاً سودانياً، وبين أن تفهم لماذا يهتز وجدان السوداني عندما يسمع ذلك الإيقاع.
فالذكاء الاصطناعي يستطيع تحليل آلاف الأغنيات والتعرف على الأنماط الموسيقية، لكنه لا يعيش تجربة الغربة، ولا يعرف معنى أن يسمع سوداني أغنية قديمة فتأخذه في لحظة واحدة إلى البيت والأهل والشارع والطفولة.
وهنا يجب أن نضع التقنية في مكانها الصحيح: أداة تساعد الفنان، وليست بديلاً عن الفنان.
يمكن للموسيقي استخدام الذكاء الاصطناعي لتجربة توزيع جديد، أو تحسين تسجيل، أو استعادة صوت قديم، بينما يظل الإبداع والقرار الفني والإحساس الإنساني مسؤولية صاحبه.
لكن هناك جانباً آخر لا يمكن تجاهله: حقوق الملكية وصوت الفنان.
إذا استطاعت التقنية تقليد صوت فنان مشهور وإنتاج أغنية جديدة به، فمن يملك هذا الصوت؟ وهل يجوز استخدام أعمال فنانين لتدريب الأنظمة دون موافقتهم؟ وماذا عن الفنانين الراحلين وحقوق أسرهم؟
هذه الأسئلة ستصبح أكثر أهمية مع انتشار التقنية، خصوصاً في السودان، حيث نحتاج إلى وعي قانوني وتقني يحمي الفنان والمبدع.
قد تكون أمام الأغنية السودانية فرصة تاريخية: أن نحفظ تراثنا، ونرمم تسجيلاتنا القديمة، ونعرّف العالم بالموسيقى السودانية، ونمنح الجيل الجديد أدوات إنتاج لم تكن متاحة من قبل.
لكن علينا ألا ننسى شيئاً مهماً:
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقلّد صوت الفنان، لكنه لا يستطيع أن يقلّد حياة الفنان.
ولهذا، فإن مستقبل الأغنية السودانية لن يكون في منافسة الإنسان للآلة، وإنما في استخدام الإنسان للآلة دون أن يفقد صوته وهويته.
فالتكنولوجيا تتطور كل يوم… لكن مسؤوليتنا أن نجعلها تحفظ ذاكرتنا، لا أن تستبدلها.












