تباشير
د. وليد محجوب
ثمة وطن مُشتهى يختبئ في وجدان كل سوداني، وطنٌ لا تُحدُّه الخرائط ولا تحكمه الجوازات، وطنٌ يسكن الرئتين كرائحة المطر على التراب، ويتسرَّب إلى الدم كمغيب الشمس على ضفاف النيل. هذا الحنين ليس
مجرد شوق إلى مكان، بل جرحٌ مفتوح على هيئة ذاكرة تُعيد ترتيب القلوب على مقياس الطمأنينة. حيث كل شيء أرحب.
ثم يتسرب الحنين إلى الشرايين فيدغدغ المشاعر ويمنحها شعوراً كاذباً بالرضا. فهو متنفس لما لا حل له. كما أنه يعبئ فراغات النفس بما يحفزها على اقتراف الحياة في مكان غير مشتهى، وهنا يبرز سؤال، هل الحنين يقتل؟
فقد حكى لي أستاذي الدكتور عمر عجيمي، جزاه الله عني خير الجزاء، ذات جلسة صفاء، عن تجربة غريبة، فقد قررت الحكومة في تسعينات القرن الماضي أن تستغل مجموعة من سكان شرق السودان عمالاً موسميين في منطقة القضارف. فهم يقطنون في منطقة صحراوية جافة لا تمنحهم سوى كثير من الوقت لاحتساء القهوة وتعاطي التمباك وقليل من موارد الغذاء.
ظنت الحكومة أن انتقالهم للقضارف سيكون فتحاً لهم كفتح الخليج للمغتربين. سيتغير حالهم وطعامهم ونمط حياتهم، لكنهم فاجأوا الحكومة بموتهم، نعم موتهم. توسدوا شوقهم حتى مات منهم في شهور قليلة حوالي أربعمائة شخص. فكوِّنت لجنة طبية من مختلف التخصصات بما فيها النفسية والعصبية لدراسة حالة الموت الغريبة هذي. فوجدوا أنهم ماتوا شوقاً لموطنهم القفر، شوقاً للرمال الحارقة والجبال الصماء والشجيرات الشوكية المتفرقة. قتلهم الحنين لضروع الغنيمات القليلة و”الجبنة” وونسة الأهل.
فجاء القرار بإعادة من بقي منهم إلى قيد الحياة. أعادوهم إلى موطنهم فعادت لهم الروح، ولسان حالهم يقول:
الحنين البي ليه ما قدَّروه
العُمر من وين بشتروه
ضوق وقاسي الوحدة يا قلبي الرهيف
يا وليف الشوق بقيت فاقد الوليف
ما قدروه، الحنين البي ليه ما قرو
لم يقرأ أحد حنينهم إلى أرضٍ جرداء، لأن لا أحد يمكن أن تخيل مثل هذا السيناريو المُرعِب.
وبعد عقود من الزمان تكرر المشهد بسيناريو مختلف، أتي من أخرج الناس من بيوتهم قسراً، وأجبرهم على النزوح إلى أماكن آمنة، لكنها ليست مهوى أفئدتهم. فساق الشوق الشديد بعضهم إلى “توَسُّد الباردة” والموت على أرصفة غريبة. وأسقم الحنين آخرين، فهل يُقيِّض الله لمن بقي منهم رجل رشيد يعيدهم إلى قيد الحياة مرةً أخرى؟.












