تباشير
د.وليد محجوب
تهللت أساريره وأطلق ابتسامةً عريضةً أضاءت كل جنبات الشارع حينما رآني من بعيد، صاح بي: “حبابك يا الجعلي”، لم يكن جعلياً ولا أنا، مجرد مدخل لحوارٍ طال إشتياقه له، ساقته الحاجه إلى بلادٍ لسانها أعجمي، عُجمةٌ كموجٍ لا رشاش له، فلم يُعرف خيره من شره.
تبادلنا التعارف، وهي عادةٌ سودانية محمودة تفتح المغالق وتُنجِد الملهوف، ثم أطلق تنهيدة أخرجت معها حسرةً كبيرة على عدم الاهتمام بتعلم اللُّغة الإنقليزية التي أصبحت لغة التواصل الأولى بين شعوب العالم.
“لو كنت أعلم أنني سأحتاج يوماً ما للسفر إلى بلادٍ طيرها أعجمي، لأنفقت سنتين من عمري في تعلم الإنقليزي الذي أهملناه صغاراً”، قالها وتعابير وجهه تنطق بالعجز والندم، ما أحوجه لما يُعينه على ترجمة ما يدور بخلده، كان يتمنى لو أن لسانه ريحاً تستنصل يبس الكلام من قلبه وتلقيه على هؤلاء الأعاجم فيرتدوا فاهمين.
هي دعوةٌ قديمة، استبصرت واقعنا، وما وعَيْنا، فتعلم اللغات أمنٌ من شرِ ومكرِ أقوام كثيرة، وتحقيقٌ لمنافع عديدة، وقد جاء في الأثر: “من تعلم لغة قومٍ أمن مكرهم”، وهو أثرٌ ثمين لكنه ليس بحديث كما يتداوله الناس، غير أن معناه صحيح.
ونحن نعيش الآن في عصر هيمنة اللُّغة الإنقليزية على العالم، فهي لغة التواصل الأوسع انتشاراً بين الناس، وهي مفتاح أبواب العلوم و الأعمال وشتى أنواع المنافع والمصالح، لذلك أصبح تعلمها ضرورة لا بد منها، خاصةً في عصر العولمة حيث غزتنا في عقر دارنا ونحن غافلون.
إن الاهتمام بتعلم اللُّغة الإنقليزية على وجه التحديد يعين الواحد منا على مواجهة التحديات المتجددة في كل صباح، خاصةً غير المتوقع منها، مثل أن تسوق الخطى أحدنا إلى بلاد لا يعرف منطقها ويجهلون حديثنا، ولا تُقضى حاجته إلا هناك، فلا تغيثه حينها إلا اللُّغة الإنقليزية.
ولاستمالة أفئدة الطلاب لهذه المادة المهمة لابد من إعتماد منهج يواكب متغيرات العصر وطرق التدريس الحديثة، منهج جاذب يقدمه معلمون يجيدون غرس محبة المادة في نفوس الطلاب، هي مطالب ملحة تقي جيل اليوم مكابدة ألسن الغير غداً.
حينها تزول عوائق كالجبال الراسيات، فيقف من ناداني بالجعلي واقفاً بثقةٍ يُشرق بها محياه، وهو يخاطب من حوله بلسانٍ أعجمي طليق، يفك به رموز الحاجة ويقضي به حوائجه دون الحاجة لمترجم. فتتبدل تنهيدته الحرَّى بضحكةٍ مجلجلة، وتنفكُّ عقدة لسانه ببيانٍ ساحر، فما أجمل أن يمتلك الإنسان مفتاح التواصل الذي يفتح به كل الأبواب الموصدة، ويحيل عجمة الألسن إلى ألفةٍ ووئام.












