تباشير
د.وليد محجوب
أنشأ الإنقليز بخت الرضا في عام 1934 على يد المستر قريفيث (Mr. Griffiths)، لتدريب المعلمين السودانيين. تولى عملية التدريب كادر بريطاني بجانب النخبة الأولى من المعلمين السودانيين الذين تلقوا تعليمهم الأساسي والعالي في كلية غردون التذكارية، وتحديداً في “قسم المعلمين” أو ما كان يُعرف بـ “مدرسة العرفاء” داخل الكلية.
وكان لثلة الموظفين من جنسيات أوروبية ومصريين الذي يعملون مع الإدارة الاستعمارية الإنقليزية آنذاك أثراً ملحوظاً على المعلمين المتدربين. فحوَّلهم ذلك المزيج العجيبة من المعارف والثقافات المتعددة إلى قدوات في المناطق التي عملوا بها. حيث رأى السكان المحليون في ملبسهم وطريقة ترتيب مائدة طعامهم وأسلوب حياتهم ما دعاهم إلى تقليدهم والتشبه بهم، فاكتسب المعلمون مكانة رفيعة بينهم وصاروا مثل الغمام الظليل. فتمكنوا من كسب ودَّ زعماء هذه المناطق وأحدثوا الكثير من التغييرات الإيجابية فيها.
فمن أبرز إنجازاتهم أنهم استطاعوا إقناع العديد من قادة المجتمعات التي يعملون فيها بضرورة تعليم المرأة. فانتشرت بفضل جهودهم الحثيثة مدارس البنات في كثير من أصقاع السودان النائية. كما ساعدت معرفتهم بالعزف على الآلات الموسيقية وإجادتهم للرياضة، خاصة لعب كرة القدم، في اندماجهم في هذه المجتمعات كالملح في الطعام. وبالتالي التعرف على مشاكلهم والحلول الناجعة لها عن قرب. فنشأت الجمعيات التعاونية من رحم المدارس لمحاربة الفقر والعوز. وأنشئت الأندية الرياضية والثقافية فزاد وعي الناس بشكل واضح في مختلف المجالات.
كما استغل المعلمون حوش المدارس في تقديم مسرحيات فكاهية من تأليفهم وتمثيلهم، جذبت السكان المحليين ولاقت استحسانهم. حارب المعلمون من خلال هذه العروض الدرامية كثيراً من العادات الضارة مثل ختان الإناث والزواج والمبكر. الأمر الذي زاد من رفعة مكانة المعلم في المجتمع، وأصبح مثل شجرة تؤتي أُكلها كل حين ويستظلون بأغصانها الوارفة وقت الهجير. فتمكن المعلم بذلك من أداء رسالته التربوية والإصلاحية على أكمل وجه.
لم يكن المعلم ليحقق كل هذا النجاح بدون راتب يكفي حاجته ويحقق له حياةً كريمة. بجانب ذلك فإن الشروط الصعبة لدخول سلك التعليم مهدت الطريق لاختيار أهل الكفاءة الرفيعة لهذه المهنة. ثم شكلت الدورات التدريبية اللاحقة حين يعودون لبخت الرضا بعد عامين أو ثلاثة، فرصة كبيرة ليتبادل المعلمون الخبرات المكتسبة من تجاربهم المختلفة، فصُقِلت شخصياتهم أكثر من خلال اكتسابهم معارف جديدة تبادلوها. ومثل الصَيِّب النافع تمكن المعلم من صُنع التغيير الإيجابي أينما حل.
ثم دارت دوائر الإدارة غير السوية للبلاد. فتحولت بخت الرضا من صرح تدريبي عملاق إلى جامعة كأي جامعةٍ أخرى. وأصبحت النسبة المطلوبة لدخول كليات التربية هي الأدنى تماماً كحصة التعليم في ميزانية الدولة كل عام. فهوى التعليم من عليائه، وتناثر على صخور الحاجة والإهمال. فكان من الطبيعي أن ينحدر راتب المعلم إلى ما دون خط المسغبة. وأصبح لزاماً عليه من البحث عن أعمال إضافية ترتق ثقوب الراتب، فقط ليصل إلى حد الكفاف. فانعدم تأثيره في الناس، وهبطت منزلته إلى أسفل السلام الاجتماعي. بل ربما انعدم تأثيره حتى في بيته الذي يفارقه بعد الفجر ويعود إليه بعد العشاء كضيفٍ في داره.
بدون هيكل رواتب يمكن المعلم من العودة إلى دائرة الحياة الكريمة، ودورات تدريبية فاعلة، ومنهج مواكب لمتغيرات العصر، وشروط قبول تجعل كليات التربية على رأس الكليات المرغوبة، وشروط عمل جاذبة، لن يستقيم حال التعليم ولا حال البلاد كلها.












