خاطرة الخميس
محمد الحسن عبد المطلب
استوقفتني «نيمة» في أحد شوارع الرياض، وأثارت شجوني وأيقظت ذكرياتي. كنت أحسب شجر النيم ماركة مسجلة وحصرية عندنا في السودان!
«النِّيمة» ارتبطت بنمط وحراك الحياة الاجتماعية عبر مر العصور، ومع أنها شجرة غير مثمرة، فإن عطاءها وافر بمنح الظل الوريف الواقي من حر الشمس، وهي لصيق ودود وصديق قديم للبسطاء وعوام الناس.
في البيوت، داخل الحيشان، تمتد أفقياً ورأسياً، وكأن لسان حالها يقول: لا تهتموا بانقطاع وبرمجة الكهرباء، ففي ضلي متكأ و«همبريب» يفتح الروح ضلفتين!
أما في حرم البيوت، فتوضع تحتها أزيار الموية، سبيلاً للغاشي والماشي، والمنتظرين من باعة اللبن، والبنسجوا العناقريب، وطلبة البناء والترميم، والبيبدلوا العدة بالهدوم المستعملة.
وظل النيم مجالس أُنس لأصحاب المعاشات والونسات من الجيران، وهم عين رقابة على الغرباء والدخلاء إلى الحي، ورصد ومحاربة الظواهر السالبة. وهي أيضاً مواقف للعربات، ومساحات للعب الأطفال، وفوق ذلك خضرة تسر الناظرين.
وفي ظروف الحرب، ظلت صامدة ومحتفظة بحيويتها وقوامها الفارع، تقاوم البيئة والظروف، وتقف شاهدة على الدمار، وعلى جور التتار والبغاة.
ومن أشهر أشجار النيم «نيمة نمر» بالزومة، ذات الجذور الضخمة الضاربة في أعماق الأرض، والتي توفر ظلاً مريحاً كثيفاً. وكانت فيما مضى تمثل محطة توقف مهمة واستراحة للباصات واللواري القادمة من كريمة في طريقها إلى الأراك والبرصة، ويُطلق عليها «عربات بعيد»، حيث يتزود الركاب ويتسوقون من باعة الطعام والخردوات، وتتنفس اللواري الصعداء!
هذه الخاطرة دعوة وتذكرة لتعهد النيم وغيره من أشجار الظل، وخاصة الأشجار المثمرة، بالرعاية والسقيا، حتى نضفي جمالاً ورونقاً على البيوت والشوارع.
فالخضرة والزراعة المنزلية لهما تأثير بالغ في اعتدال المزاج، و«مساعدة قفة الملاح»، فضلاً عن أنهما صدقة جارية وقيمة مضافة في ميزان الحسنات.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له».












