بوح الحبر
د. الحبر عبد الوهاب
في أسوان، بعد الظهر، في الناحية الغربية من “الجملون” الذي كُتبتْ على واجهته الجنوبية بخط كبير الآية الكريمة “ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين” اهتدينا إلى مكتب بيع تذاكر القطارات المتجهة إلى القاهرة (المفتخر، والمجري، والقشاش)، وعرفنا أن “المفتخر” هو أسرعها وأغلاها سعرًا، وأن “القشاش” أبطؤها وأرخصها، لأنه “يقش” المحطات الصعيدية “قشًا”، أي يكنسها كنسًا، فوقع اختيارنا على “المجري” بعد أن علمنا أنه وسط بين هذا وذاك، ودفعنا خمسة جنيهات مصرية فقط واستلمنا خمس تذاكر إلى القاهرة.
كأنَّ القطار كان في انتظارنا، فلم نكد نضع أرجلنا عليه حتى انطلق بنا شمالًا يريد محطة رمسيس في القاهرة. خط السكة الحديد هنا مزدوج، الذي يوصلنا إلى القاهرة والآخر القادم منها على يساره. وأدهشتنا سرعته فصدقنا من قال إنها تعادل ربع سرعة الطائرة.
لا أحد “يسطِّح” عليه، ولا أحد يخرج رأسه خارجه أو يمد يده، ولا أحد يتلكأ حتى يتحرك ثم يسرع خلفه ويركب كما كنا نفعل نحن مع قطار حلفا. إذا تحرك تحرك كله دفعة واحدة، كأنه سيارة، وإذا توقف لم “يناتل” كما يفعل قطار “حلفا”.
أسوان سمراء، كأنها سودانية، وأهلها كذلك. بيوتها شرق السكة الحديد تُلاصق الجبل، وترسم ظلالها عليه، وغربًا النيل “المروَّض” ساكنٌ، تتخلل مجراه صخور سود عليها طيور بيضاء. مياهه صافية، فالطمي القادم من السودان يترسب في بحيرة السد، لذلك أتوقع أن تعود حلفا القديمة يومًا ما غابات ومروجًا.
كانت فرصة رائعة أن تلتهم أعيننا بعض مدن الصعيد قبيل المغيب. “كوم أمبو”، و”أدفو”، و”إسنا”… أهي أسماء نوبية؟ لست أدري.
ثمة نخيل شامخ كنخيلنا، ومزارع ذرة، وفلاحات شعورهن تتهدَّل على ظهورهن، يقدن بقرات حمراوات وبيضاوات، وضباب شفيف تلونه الشمس الغاربة بخيوط الأصيل الذهبية. وبائع شاي رجله اليمنى مقطوعة، يقفز باليسرى دون وجل أو كسل وهو يحمل “البراد” وأكواب الشاي. الركاب معظمهم مدخنون.
بعد أربع ساعات تقريبًا جاء القطار إلى “الأقصر”. هنا كان الفراعنة، وربما جاءها سيدنا موسى عليه السلام في غابر الأزمان. وربما انطلق منها السحرة ليخرّوا ساجدين ضحى يوم الزينة. هنا وادي الملوك الذي قرأت عنه كثيرًا، وكنوز الفراعنة. أكاد أشتم عبق التاريخ في الأقصر. الجبل والنهر ورائحة الفراعنة، وحينما توقف القطار وتنفّس حدّقتُ في وجوه أهلها لعلي أرى سمات فرعونية، وجمال “نفرتيتي”. وقبيل أن يتلاشى ضوء الشمس في الأفق الغربي أضاء القطار أنواره. هؤلاء الناس منظمون أكثر منا. يحترمون الوقت والقانون، أحسب أن حياتهم تسير منظمة حتى في هزلهم.












