داخل السرب
أيمن مبارك أبو الحسن
تقول الطرفة إن سودانياً التقى بأحد أبناء شمال الوادي وعلى طريقتهم المعهودة دخل الرجل مع صاحبنا في حديث طويل وكأنه يعرفه منذ سنين ثم قال: والله أنا بحب السودانيين أوي أوي.. أصل هم حبايبنا وإحنا حتة واحدة، بس حنقول إيه في المستعمر.. فرّقونا عن بعضنا.. منهم لله بقى!
ثم دار بينهما الحوار التالي:
– حصل مشيت السودان قبل كده؟
– آه، وأمال إيه.. أنا رحت السودان كتير أوي.. ييجي خمس مرات.. بلدكو حلوة أوي.
– مشيت وين في السودان بالتحديد؟
– آه ده أنا رحت الخرطوم.. ورحت «أمّوضرمان».. وحتات كتير أوي.
– مشيت برّاك؟ (يقصد وحدك).
– آه.. ورحت “برّاك” كمان.. على فكرة “برّاك” دي حلوة أوي!
تكشف هذه الطرفة على بساطتها مفارقة في العلاقة بين السودانيين والمصريين فشعبان جمعهما التاريخ والجغرافيا واللغة لا يزالان يجهلان الكثير عن بعضهما وتفصل بينهما حواجز ثقافية لم تستطع سنوات الجوار الطويلة من إزالتها. وقد فتح هذا الحاجز مساحة واسعة للصور النمطية والأحكام المسبقة حتى بات كل طرف يحمل عن الآخر صورة رسمتها الحكايات والانطباعات الموروثة أكثر مما رسمتها المعرفة المباشرة.
وهذا ما يفسر كيف تتحول خلافات صغيرة إلى أزمات كبيرة لا سيما أن بعض المنابر الإعلامية التي يُفترض أن تسهم في تعزيز الفهم المتبادل بين الشعبين وتجاوز الحواجز الثقافية تلعب للأسف على الخلافات وتستثمرها في الإثارة .. فتعمّق سوء الفهم، وتمنح التوترات من الوقود ما يبقيها مشتعلة.
وقد أعادت الأحداث الأخيرة هذه التصورات إلى الواجهة، إذ اندفعت بعض المنابر الإعلامية وحسابات التواصل الاجتماعي في خضم ردود الفعل المصاحبة لها، إلى تبادل الاتهامات واستدعاء خلافات الماضي حتى اتسعت دائرة الخصومة.
ولبعض المنابر الإعلامية المصرية سوابق مؤسفة في هذا الجانب … ومثال لذلك ما جرى عقب مباراة مصر والجزائر في أم درمان عام 2009 … فقد تحولت الهزيمة الرياضية للمنتخب المصري حينها إلى أزمة تجاوزت حدود الملعب، وانخرط عدد من الإعلاميين في حملة من الاتهامات والإساءات طالت السودان البلد الذي استضاف المباراة ولم يكن طرفاً في المنافسة. يومها جرى استدعاء الكرامة الوطنية لتبرير خطاب انفعالي واختلطت الوقائع بالشائعات حتى وجد السودانيون أنفسهم في مواجهة غضب إعلامي لا علاقة لهم بأسبابه المباشرة.
ويزداد أثر هذا الخطاب بالنظر إلى سرعة تأثر قطاعات من الجمهور المصري بما يطرحه الإعلام والذي يثق ثقة مفرطة بما يكتب أو ينشر في وسائل الإعلام حتى يكاد قولهم الشائع (الجرنال قال كده) يلخص هذه الثقة.
إن العلاقة بين السودانيين والمصريين تنطوي على حساسيات تاريخية واجتماعية تجعلها هشة أمام الأزمات التي تنشأ بينهما. ومع اتساع نفوذ وسائل التواصل الاجتماعي بات الأمر أكثر تعقيداً إذ تسهم هذه المنصات في تأجيج المشاعر وصب الزيت على النار من خلال تداول المحتوى المثير للغضب، وإبراز العبارات الحادة والمقاطع المجتزأة. وفي هذا المناخ تختلط الأخبار الصحيحة بالمعلومات المضللة وتتسع دائرة تداول الروايات المتضاربة بما يزيد من الالتباس ويعمق حالة الاحتقان.
وهكذا غدت هذه المنصات شريكاً رئيسياً في تشكيل المواقف وتوجيه الرأي العام. غير أن احتواء هذه التوترات يظل مرهوناً بإرادة المؤسسات الرسمية والإعلامية والفاعلين في الفضاء الرقمي وقدرتهم على إعادة الوقائع إلى سياقها الصحيح والحد من الخطاب الذي يؤجج الخصومات بين الشعبين … ففي نهاية المطاف الناس يسيرون على هدي إعلامهم.












