تباشير
د. وليد محجوب
“الكلمة الطيبة بخور الباطن”، مَثَل سوداني عذب، يتردد على الألسنة مثل نسمة من أنفاس النيل. يردده السودانيون في أحد أوْجُهِه مُأكِّدين به أن أن الكلام الجميل لا يمرُ على الأسماع عابراً، بل يسري في النفوس سريان البخور في أرجاء البيت، يُطيِّب الأركان، ويعطر الدواخل، ويجمل سرائر أهله. فالكلمة الحسنة تغسل القلب من غبار الحياة، وتترك في روح سامعها أثراً طاهراً، كنورٍ خفيفٍ في صباحٍ ندِيْ.
وعلى النقيض، يحمل هذا المثل في وجهه الآخر وعيداً، بأن الكلمة الخبيثة تحرق الباطن، وتشعل الدواخل، وتترك في القلب ندوباً لا يداويها الزمن. تغادر النفوس بها الطمأنينة، وتترك خلفها رماد الكلام ووأد الفرح. كلمةٌ لا تجرح الجسد فحسب، بل تُنزِف الروح. ولا تهدم الجدران كما تفعل المدافع، لكنها تهدم دواخل الإنسان دون حق أن يُدافع عن نفسه. كلمة قاسية قد تخنق الحقيقة، وتُوسِمُ البرئ بالخطيئة.
وإذا كان الكلام الطيب بخوراً يعطر الدواخل، فإنّ الكلام السيئ دخانٌ أسود يتسلل إلى الصدر، فيُحدِث جفوةً بين الناس، ويضيق به المكان وإن إتسع. تمر الكلمة الجارحة بسرعة لا يحسب قائلها لها حساب، لكنها عند الله ثقيلة. لأن أثرها يبقى كأثر النار في الهشيم. يخبو لهيبها، ويظلُّ أثرها شراراً شاهداً على تلك الجريمة. جريمةُ قذفٍ نارها لا تنطفئ. فكلمةٌ واحدة قد تورد صاحبها المهالك.
ومن نعم الله سبحانه وتعالى على الإنسان، أن منحه القدرة على تجاوز كثير من الكلام السلبي. لكن هناك عبارات تمر بنا ولا نستطيع تجاوزها، لأن تأثيرها يتجاوز الشخص الموجهة له، ويمتد بامتداد الأسافير، وتترك أثراً لا يمحوه الزمن. بل ربما صار طوفاناً يجرف كلما اتسعت دائرة مشاركته بين الناس. فتخيل كم الألم الذي تسبِّبه عبارة قبيحة الكلمات تقدح في شرف إمرأةٍ ما زالت جراح طلاقها تنزف! هل تقف سوءة قذفها عندها، أم أنها تصيب عائلتها الممتدة بل حتى قد تصيب أهلها وقبيلتها؟
كلمة قال فيها من لا ينطق عن الهوى، سيد الخلق أجمعين، صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا، يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا”. ما دفعني لكتابة هذا المقال كلمة تداولها الناس في وسائل التواصل الإجتماعي بكثافة. ألقاها رجل هازئاً في الأسافير في حق إمرأةٍ شهيرة انفصل عنها زوجها بعد أيام من زواجها. والطلاق علاج مثل الكي أحله الله لعلاج المستعصي من الحالات. لكن عبارة الرجل حملت غمزاً لا يليق بالرجال، ووصفاً سوقياً لا يرضاه أحد لقريباته ناهيك عن أخته أو بنته.
ماذا علينا لو عفَّت ألسنتنا عن الخوض في عوج رقاب الآخرين ورقابنا معوجَّة؟ ماذا علينا إن سكتنا، طالما أن قدرتنا على مواساة الناس في مصائبهم ضعيفة. فمن قواعد الأخلاق وآداب الإسلام قوله عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام: “مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ.












