في الذكرى الرابعة لرحيل ساحر الأوتار وصانع البلابل
صاحب ألحان لا تشيخ، وحكاية نجاح استثنائي
«أشوفك في عينيّا» أول لحن قدّمه للعملاق أحمد المصطفى
عاش بالنغم وترك إرثًا من الألحان الخالدة
صفارة صغيرة من عود الأبنوس كانت بداية الحلم
لحن لـ وردي وابو داؤود وحسن عطية وزيدان إبراهيم
عبدالمنعم هلال ـ آكشن سبورت
تمر علينا اليوم الذكرى السنوية الرابعة لرحيل قامة فنية ما كانت عادية؛ زول عاش بالنغم، ومشى من الدنيا وهو مخلي وراه كنزًا من الألحان البتعرف طريقها للروح بدون استئذان.
في يوم الخميس 27 يناير 2022، ترجل الموسيقار السوداني الكبير بشير عباس بشير نصر، لكن الحقيقة إنو ما غاب؛ لأن الإنسان البخلّي أثره في الوجدان ما بموت.
لما تقول موسيقى سودانية راقية، ولما تقول لحن مرتب ودافئ، فيه حنية وفيه عمق، لازم يطلع اسم بشير عباس في أول السطر. زول نذر عمره كله للأغنية السودانية، خدمها بإخلاص ورفعها لمستوى يليق بتاريخ بلد مليان إحساس.
وُلد بشير عباس سنة 1940م في حلفاية الملوك بالخرطوم بحري، ثم انتقلت الأسرة إلى أم درمان، المدينة البتتنفس فن وتاريخ. ومن هناك مشى للروصيرص، وهناك كانت الشرارة الأولى.
والده، رحمه الله، كافأه على نجاحه في المدرسة بصفّارة صغيرة من عود الأبنوس؛ صفّارة بسيطة، لكنها كانت بداية الحلم الكبير. من الصفّارة إلى العود، ومن العود إلى رحلة طويلة مع النغم.
في الروصيرص التقى بالفنان محمد عبد القادر ديجوك، الذي قاده إلى أبجديات العزف على العود وفتح له الباب الحقيقي للموسيقى. ومن اللحظة ديك، بشير عرف طريقه كويس.
في سنة 1959 التحق بشير عباس بالإذاعة السودانية عازفَ عود ضمن فرقة الموسيقى. وباجتهاده وموهبته، خطوة خطوة، أصبح سكرتير أوركسترا الإذاعة القومية، ثم مسؤول قسم الموسيقى، إلى أن تسلّم إدارة القسم سنة 1967.
في الإذاعة ما كان موظفًا ساكت؛ كان صاحب رؤية. أدخل مفاهيم جديدة في التوزيع الموسيقي، واشتغل على الموسيقى الآلية السودانية في زمن كانت فيه الفكرة جديدة وغريبة، لكنه آمن بيها ونجح.
قدّم مقطوعات موسيقية أصبحت علامات في تاريخنا:
أمي – أحاسيس – نهر الجور – ليالي الخرطوم – النيلين – مريدي – الأخت – أضواء…
مقطوعات تسمعها تحس كأنك شايف النيل قدّامك، أو سامع صوت المطر، أو شاقي حنين قديم.
أول أغنية لحنها كانت (أشوفك في عينيّا)، كلمات عبد الله النجيب، وغناها العملاق أحمد المصطفى. الأغنية دي كانت انقلابًا حقيقيًا في اللحن السوداني:
أشوفك في عيني ربيع الجنة داني
لو تسأل حنيني أو تلمس حناني
هل بينك وبيني غير أنبل معاني؟
من هنا انطلقت الرحلة الكبيرة. لحن للعمالقة: محمد وردي، عبد العزيز محمد داؤود، حسن عطية، زيدان إبراهيم، والبلابل. وكان كل فنان مع بشير عباس يشكّل لونًا وطعمًا وإحساسًا مختلفًا.
ومع البلابل كانت حكاية نجاح استثنائي. وإذا كان في شراكة فنية غيرت شكل الأغنية النسائية في السودان، فهي شراكة بشير عباس والبلابل (هدى، وآمال، وحياة عبد المجيد – طلسم).
لحن للبلابل أكثر من 35 عملًا غنائيًا، من أشهرها:
لون المنقة – خاتم ألمني – مشينا – مشوار – نور بيتنا – متعالي علينا – البيسأل ما بتوه.
ألحان فيها فرح، وخفة دم، ورقّة، وحداثة.
بشير عباس قدر يبرز جمال الأصوات النسائية، وكسر احتكار الذكورية للساحة الغنائية، وفتح بابًا ومشى فيه بثقة.
ما كان فنه محليًا ساكت؛ مشى بعيد. ففي سنة 2003 شارك في يوم الموسيقى العالمي بألمانيا مع 22 موسيقارًا من مختلف القارات، ونال المرتبة الثالثة عن مقطوعة عِشت يا سوداني.
وفي سنة 2005 مثّل السودان في مسابقة جامعة الدول العربية بالقاهرة، وحصد المرتبة الثانية عن نبتة حبيبتي.
استضافته إذاعات عالمية كبيرة: BBC لندن، مونت كارلو، صوت أمريكا، وإذاعة الشرق الأوسط، وكان دائمًا يقدم موسيقاه بفخر كسفير حقيقي للسودان.
أسلوبه بصمة ما بتتقلّد. مقامات شرقية، مع إيقاعات أفريقية، وروح سودانية خالصة.
ألحانه هادئة وعميقة، تبدأ بمقدمات موسيقية بتلمّ القلب قبل الأذن.
كان عاشقًا للطبيعة، ودا واضح في موسيقاه؛ تسمع اللحن تحس النيل جاري، والسهول فاتحة صدرها، والمطر نازل.
ورغم عظمته الفنية، كان بشير عباس زولًا بسيطًا، دمث الأخلاق، قريبًا من الناس، ومؤمنًا بأن الموسيقى رسالة سلام قبل ما تكون شهرة.
عمل فترة محاسبًا في الهيئة القضائية، لكن العود ناداه، ورجع ليه بكل قلبه.
تنقل بين الإمارات وفرنسا وبريطانيا وأمريكا، واستقر للعلاج في كندا، وكان بين السودان والمهجر، إلى أن وافته المنية في دبي يوم 27 يناير 2022.
برحيل بشير عباس، السودان فقد عمودًا من أعمدته الفنية، لكن الفن الحقيقي ما بموت.
بقيت ألحانه، وبقي اسمه، وبقي أثره.
بشير عباس صنع من النغم ذاكرة، ومن العود وطنًا صغيرًا.
رحم الله الموسيقار الكبير بشير عباس رحمة واسعة، بقدر ما قدّم من جمال ونغم، وبقدر ما زرع في وجدان الناس من إحساس وفرح وحنين.
نسأل الله أن يجزيه عن عطائه للوطن وأهله خير الجزاء.
وسيظل بشير عباس حاضرًا بيننا بألحانه، حيًّا في الذاكرة، ساكنًا في الوجدان،
وسيظل اسمه نغمة لا تنطفئ مهما طال الزمن.










