تلاوين
فاطمة إسماعيل
المغتربون السودانيون صمدوا في معركة الإنسانية وانتصروا في ملحمة العطاء
يُعد السودانيون العاملون بالخارج ثروة قومية وأحد أهم الأصول الاستراتيجية للدولة، بما يمتلكونه من قدرات وخبرات علمية ومهنية، فضلاً عن دورهم في تعزيز علاقات السودان بمختلف الدول، ومساندة وطنهم وأهلهم في أوقات الشدة.
ومنذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، لم يعد المغتربون مجرد موظفين وعمال غادروا الوطن بحثاً عن فرص أفضل، بل أصبحوا عموداً فقرياً يحمي آلاف الأسر من الانهيار والشتات، وشريان حياة للمتضررين من النزوح واللجوء، في ظل تعطل مؤسسات خدمية واقتصادية عديدة.
أبطال الإنسانية
بينما تخوض القوات المسلحة السودانية معاركها ضد قوات الدعم السريع، برز خلف كواليس الحرب أبطال آخرون تصدوا للمحنة من بوابة الإنسانية، وكانوا سنداً للأسر والعائلات التي فقدت مصادر دخلها ومنازلها وممتلكاتها.
وعندما تعطلت مؤسسات الدولة، تحولت جيوب المغتربين إلى بنوك ومؤسسات دعم، ليس لأسرهم الصغيرة فحسب، بل لأقاربهم وجيرانهم ومعارفهم.
أرسلوا الأموال والأدوية والمواد الغذائية، ودعموا المنظمات الإنسانية والتكايا ودور الإيواء، وتكفلوا بتكاليف السفر والإقامة لأقاربهم الفارين من الحرب، وما زال عطاؤهم ممتداً.
إنها مواقف تستحق أن تُدوَّن بأحرف من نور في سجل التاريخ.
استنزاف المدخرات
لم تكن هذه التضحيات سهلة؛ فقد أثرت الحرب بصورة مباشرة على الأوضاع المالية والمعيشية للمغتربين، واستنزفت مدخرات كثيرين منهم، وأثقلت كاهلهم بالتزامات متزايدة.
ولم يقتصر التأثير على الجانب المالي، بل امتد إلى الاستقرار النفسي والاجتماعي، بعدما أصبح المغترب مسؤولاً عن إعالة أسرته وأقارب آخرين فقدوا مصادر رزقهم.
ورغم هذه الضغوط، لم يتراجع السودانيون بالخارج عن أداء واجبهم الإنساني، مؤكدين أن التكافل قيمة متجذرة في وجدان الشعب السوداني.
تكافل أصيل
أثبت السودانيون عبر تاريخهم قدرتهم على التكاتف في مواجهة الأزمات، لكن الحرب الحالية كشفت عن صور استثنائية للتضامن الاجتماعي.
فقد تعرضت أسر كثيرة للنزوح وفقدان الممتلكات، ووجدت نفسها أمام تحديات إنسانية ومعيشية قاسية، ليبرز دور المغتربين بوصفهم أحد أهم مصادر الدعم والمساندة.
ولم تكن مساهماتهم مجرد تحويلات مالية، وإنما جسدت إحساساً عميقاً بالمسؤولية الوطنية والإنسانية.
تكايا المهجر
تُعد التكايا من أبرز مظاهر الترابط الاجتماعي في السودان، وقد استعادت دورها خلال الحرب، بتوفير الطعام والدواء للمحتاجين والنازحين، بدعم كبير من السودانيين بالخارج.
ولم تتوقف هذه المبادرات عند حدود الوطن، بل امتدت إلى دول المهجر، حيث تحولت منازل مغتربين إلى تكايا مصغرة تستقبل الأقارب والنازحين، وتوفر لهم المأوى والغذاء والرعاية.
إنها لوحات إنسانية نادرة، تستحق أن تُروى للأجيال، وتؤكد أصالة الإنسان السوداني وقدرته على العطاء مهما اشتدت المحن.
أما بعد
لقد سجل المغتربون السودانيون مواقف وطنية وإنسانية مشرفة خلال الحرب، وقدموا دعماً سخياً للأسر المتضررة والمنظمات والتكايا ودور الإيواء.
ويبقى السؤال: ماذا أعدت الدولة للمغتربين تقديراً لهذه التضحيات؟
نتمنى أن تلتفت الحكومة إلى أوضاعهم بعد الحرب، وأن تحفظ الأسر والمجتمعات لهم هذا الجميل، فما جزاء الإحسان إلا الإحسان.
فالمغترب الذي قدم بسخاء خلال المحنة، سيكون شريكاً أساسياً في البناء والإعمار عند عودة السلام والاستقرار.
المغتربون السودانيون.. عطاء ممتد وقت الشدة، وبناء وتعمير وقت الرخاء.












