بوح الحبر
د. الحبر عبد الوهاب
وتطاول ليلنا كليل النابغة الذبياني، وجاءت (المنيا). عيوننا المسهّدة تحدّق في أسطح المباني النائمة ووجوه المصريين ودخان السجائر. نظر إليَّ جارنا في المقعد المجاور، كأنه يريد التحدّث معي. نعم، كان ذلك إذ قال:
ـ خُد سيجارة يا بني!
ـ شكرًا.
ـ حضرتك سوداني؟
ـ نعم. سوداني.
ـ أجدع ناس. رايح مصر؟
ـ الآن أنا في مصر. نحن رايحين القاهرة!
ـ أيوه. القاهرة هي مصر يا بني. أنتم طلبة؟
ـ نعم.
ـ أنت في أي جامعة؟
ـ القاهرة.
ـ أي كلية؟
ـ دار العلوم.
ـ يوه! دي كلية صعبة قوي.
ـ الله يبشرك!
ـ لا، بالجد. دي ابن خالي عجَّز فيها لغاية ما شواربه بقت بيضا! أول مرة تنزل القاهرة؟
ـ نعم.
ـ أحسن تنزل في فندق في (العتبة) لغاية ما ربنا يسهلها. وأصحابك رايحين فين؟
ـ الزقازيق وشبين الكوم.
ـ دوْل يركبوا من (أحمد حلمي)، من عند (رمسيس). (رمسيس) دي آخر محطة بقى.
ـ كم تبقى من الوقت لنصل القاهرة؟
ـ أربع ساعات تقريبًا.
هؤلاء المصريون لا يتركون الدعابة حتى في «أنصاص» الليالي. شعب عركته الحياة فسايرها بالصبر والسخرية اللاذعة. وتذكرت نكتة قيلت في راكبين من ركاب هذا القطار في مثل برد يناير هذا. قال أحدهما «ملطفًا الجو»: «أخوك صقعان من البرد!» (يقصد أنه كاد يتجمد من البرد)، فرد عليه الآخر ظانًا أن (صقعان) اسمه وأن (البرد) مدينته: «أهلًا وسهلًا. أخوك محروس من أسيوط!».
وامتد ليل السُرى، وسريعًا جاءت (بني سويف) ثم (الواسطي) ثم (البدرشين) ثم (الجيزة) و(بولاق الدكرور) ثم (إم بابة)، ثم عبر القطار بهمة ونشاط إلى الضفة الشرقية للنيل قاصدًا محطة (رمسيس) التي وصلناها عند الثانية صباحًا تقريبًا، ورغم ذلك كانت مزدحمة. فهي لا تعرف النوم أبدًا. «غابة من السيقان» كما قال الأديب المصري يوسف إدريس أو نجيب المستكاوي. ما عدت أذكر مع الإرهاق.
وودّعني أصحابي الثلاثة، قريب الله وعماد ومصطفى، وتوجهوا إلى (أحمد حلمي) شمال (رمسيس)، وبقيت وحيدًا لبرهة ثم حملت حقيبتي وأنا أتلدد لعلّي أجد من يحملني إلى (العتبة) التي ما كنت أدري اتجاهها!.













