رندا يوسف مختار
ليست كل خسائر الحروب تُرى بالعين، فهناك خسائر لا تُحصى بالأرقام، ولا تظهر في تقارير الدمار والنزوح، لكنها تترك جراحاً عميقة في المجتمع؛ إنها خسارة القيم، وتراجع الأخلاق، واهتزاز المبادئ التي شكّلت وجدان الإنسان السوداني وهويته.
قد تدمّر الحرب بيتاً، وتشرّد أسرة، وتحرم طفلاً من التعليم، لكنها حين تجعل القسوة أمراً مألوفاً، والإساءة لغة للحوار، والتنمر والعنصرية وسيلتين للتعبير عن الاختلاف، فإننا نكون أمام كارثة تهدد ما تبقّى من نسيجنا الاجتماعي.
وهنا تبرز حقيقة لا ينبغي إغفالها: التربية قبل التعليم، والأخلاق قبل الشهادات، والإنسان قبل كل شيء.
لقد فرضت الحرب على السودانيين واقعاً استثنائياً من النزوح والغربة والفقد والضغوط المعيشية والنفسية، لكن علينا ألا نسمح لهذه الظروف بأن تنتزع منا أجمل ما ورثناه من قيم الشهامة والمروءة والكرم والتكافل وجبر الخواطر.
أين احترام الكبير، والرحمة بالصغير، وإكرام الضيف، وصون الجار، وصلة الرحم، والكلمة الطيبة؟ وأين تلك التربية التي كانت تجعل الإنسان يستحي من الإساءة، ويتألم لوجع غيره، ويحسب للكلمة أثرها قبل النطق بها؟
المؤلم أن بعض الممارسات التي نشاهدها اليوم، خصوصاً في مواقع التواصل الاجتماعي، تكشف عن تراجع مقلق؛ إذ أصبحت الإساءة عند البعض شجاعة، وانتهاك الخصوصيات حقاً، والسخرية من الآخرين ترفيهاً، وتحولت بعض المنصات إلى ساحات للتنمر والتجريح والعنصرية، بدلاً من التواصل والتراحم وتبادل الأفكار.
والأخطر أن أبناءنا يراقبون كل ما يحدث، ويتعلمون من سلوكنا أكثر مما يتعلمون من نصائحنا. فماذا ننتظر من جيل يسمعنا ندعو إلى الأخلاق، ثم يشاهدنا نمارس عكسها؟
إن التربية ليست مسؤولية المدرسة وحدها، ولا يمكن اختزالها في الدرجات والتفوق الأكاديمي؛ فالتعليم يصنع عقلاً متعلماً، لكن التربية تصنع إنساناً يعرف كيف يستخدم علمه ويحترم مجتمعه. وما قيمة الشهادة دون ضمير، أو المكانة الاجتماعية دون تواضع، أو التدين دون رحمة وصدق وحسن خلق؟
لقد جعل ديننا الإسلامي الأخلاق في صميم حياة الإنسان، فنهانا عن السخرية والغيبة وسوء الظن، ودعانا إلى التسامح وحفظ اللسان وصون كرامة الآخرين.
علينا إعادة الاعتبار لدور الأسرة، وتعليم أبنائنا أن الاختلاف لا يبرر الإساءة، وأن الحرية لا تعني انتهاك حقوق الآخرين، وأن الإنسان لا يُقاس بلونه أو قبيلته أو منطقته أو وضعه المادي، وإنما بأخلاقه ومواقفه.
كما يجب التمسك بعاداتنا السودانية الأصيلة، لا باعتبارها ذكريات من الماضي، بل إرثاً يستحق الحماية والنقل إلى الأجيال القادمة.
إن إعادة إعمار السودان لا تبدأ بتشييد المباني وحدها، بل بإعادة بناء الإنسان وترميم العلاقات وإحياء قيم المحبة والتسامح والتكافل.
لا نريد لأجيالنا أن تخرج من الحرب محمّلة بذكريات الفقد والكراهية، بل أكثر وعياً ورحمة وقدرة على قبول الآخر.
فقد تنهض المدن من تحت الركام، وتعود المدارس إلى استقبال طلابها، لكن من يعيد لمجتمعنا أخلاقاً تآكلت بصمت؟
هذه مسؤوليتنا جميعاً؛ آباءً وأمهات، ومعلمين وإعلاميين ومؤسسات.
لا تجعلوا الحرب تأخذ منا أكثر مما أخذت، ولا تتركوا أبناءنا يرثون قسوتها.
فالتعليم يبني العقول، أما التربية فتبني الأوطان، والسودان الذي نحلم به يحتاج إلى جيل يحمل الأخلاق قبل الألقاب.













