تلاوين
فاطمة إسماعيل
ليس كل من غادر الوطن نجا من الحرب، وليس كل من استقر في بلد آمن يعيش حياة الرفاهية. فخلف الأبواب المغلقة لبيوت السودانيين في المهجر حكايات من الصبر، وقلق لا يهدأ، ومسؤوليات تتجاوز حدود القدرة، وأحلام مؤجلة، وقلوب لا تزال معلقة بوطن تركته الحرب مثقلاً بالجراح.
منذ اندلاع الحرب في السودان، لم تعد الهجرة مجرد انتقال من وطن إلى آخر بحثاً عن فرص أفضل، ولم يعد الاغتراب خياراً اجتماعياً أو اقتصادياً لدى كثير من السودانيين، بل تحوّل إلى ضرورة فرضتها ظروف استثنائية، دفعت آلاف الأسر إلى مغادرة منازلها، تاركة خلفها ذكرياتها وممتلكاتها واستقرارها، لتبدأ رحلة جديدة في بلدان مختلفة، تحمل معها الخوف من المجهول، وقلق المستقبل، ومسؤولية إعادة بناء الحياة من نقطة الصفر.
من يساند السند؟
المغترب السوداني اليوم ليس مجرد شخص يعيش خارج وطنه، بل هو، في كثير من الأحيان، مشروع إنقاذ عائلي، ونافذة أمل لأسرة فقدت الاستقرار، ويد تمتد إلى الأهل والأقارب والأصدقاء، وربما إلى أشخاص لا تربطه بهم صلة قرابة، سوى رابطة الوطن والإنسانية.
فقد ظل المغترب سنداً لأسرته، وشريكاً في أزمات وطنه ومجتمعه، ورافداً مهماً للمبادرات الإنسانية والاجتماعية. ولكن من حق هذا السند أن يجد من يسنده.
وهنا يبرز السؤال الأهم الذي ينبغي أن يتوقف عنده المجتمع السوداني اليوم: من يساند السند؟
إن المسؤولية الإنسانية تقتضي أن نعيد النظر في طريقة تعاملنا مع المغتربين، وأن ننتقل من ثقافة المطالبة إلى ثقافة التقدير والتفهّم والمشاركة، وأن ندرك أن قدرة المغترب على المساعدة ليست بلا حدود.
لا تجعلوا المغترب يشعر بأن قيمته مرتبطة بما يعطيه أو يرسله، ولا تجعلوا اعتذاره عن تلبية طلب ما دليلاً على قلة الوفاء.
لقد وقف المغترب مع أهله حين اشتدت المحنة، ومدّ يده حين عجزت الأيدي، وحمل من الأعباء ما يفوق أحياناً طاقته. ولكن آن الأوان أن نسأل أنفسنا: هل أحسنّا احتواء هذا الإنسان بقدر ما أحسن الوقوف إلى جانبنا؟
حين يدفع المغترب من صحته وأحلامه
العطاء قيمة جميلة، لكنه قد يصبح موجعاً حين يتجاوز قدرة الإنسان.
فكم من مغترب أجّل شراء منزل، وكم من آخر أوقف مشروعاً كان يحلم به، وكم من أسرة تخلّت عن بعض احتياجاتها حتى تستطيع مساعدة أقاربها!
هذه التضحيات لا ينبغي أن تمرّ باعتبارها أمراً مفروغاً منه؛ فالمغترب ليس خارج دائرة الأزمة، ولا يعيش بالضرورة حياة الرفاهية التي قد ترسمها مواقع التواصل الاجتماعي.
أما بعد..
إن المغترب السوداني ليس مجرد شخص يعيش خارج الحدود، بل هو جزء أصيل من حكاية وطن أنهكته الحرب، ومن ذاكرة أسرة فرّقت بينها السبل، ومن معادلة إنسانية معقدة تتداخل فيها المسؤولية مع الحنين، والعطاء مع الألم، والأمل مع الخوف.
فليس من العدل أن نحتفي بعطاء المغترب، ثم ننسى إنسانيته، وأن نمدح تضحياته، ثم نحاسبه عندما يعجز عن تقديم المزيد.
إن الحرب التي هدمت البيوت لا ينبغي أن تهدم ما تبقّى من روابطنا الأسرية، والغربة التي فرّقت بيننا جغرافياً لا ينبغي أن تفرّق القلوب.
فلنكن أكثر رحمة في مطالبنا، وأكثر وعياً في علاقاتنا، وأكثر عدلاً في توزيع مسؤولياتنا.













