قصة قرار أشعل مواجهة بين القانون والنفوذ
تسعة لاعبين أشعلوا أزمة هزت الاتحاد
فتوى سويسرا تقلب الموازين في الخرطوم
أمر قبض يهدد تكريمه .. ومفاجأة تنقذ الموقف
النائب العام يتراجع عن فتواه وشداد يلجأ للدستورية
إبراهيم عوض ـ آكشن سبورت
لم يكن الدكتور كمال شداد، رئيس الاتحاد السوداني لكرة القدم الأسبق، يتخيل أن قراراً اتخذه لإعداد المنتخب الوطني للمشاركة في نهائيات كأس الأمم الأفريقية، سيقوده إلى واحدة من أعنف المواجهات في مسيرته الإدارية، وأن يجد نفسه خلف قضبان الحراسة في اليوم الذي كان ينتظر فيه تكريمه من رئيس الجمهورية بوصفه أفضل إداري رياضي!
إنها واحدة من القصص المثيرة التي رواها شداد، وتكشف كيف تحولت مباراة في كأس السودان إلى أزمة هزت أركان الاتحاد، وامتدت من ملاعب عطبرة إلى مكاتب الاتحاد الدولي في سويسرا، ثم إلى النيابة العامة والمحكمة الدستورية، قبل أن تبلغ ذروتها بأمر قبض في توقيت بالغ الحساسية.
بداية الحكاية
تعود تفاصيل القصة إلى فترة كان فيها المنتخب السوداني يستعد للمشاركة في نهائيات كأس الأمم الأفريقية، بينما كانت منافسات كأس السودان على الأبواب.
وقرر الاتحاد، برئاسة شداد، إقامة البطولة دون مشاركة لاعبي المنتخب الوطني، حفاظاً على البرنامج الإعدادي الذي وضعه الجهاز الفني.
ويقول شداد إن القرار حظي بموافقة الأندية، بما فيها الهلال الذي كان يضم تسعة لاعبين في المنتخب، والمريخ الذي كان يمثله ثمانية لاعبين، ولم يعترض أي منهما على الترتيبات المعلنة.
بدا الأمر عادياً، ولم يكن أحد يتوقع أن يتحول ذلك الاتفاق إلى أزمة تهدد استقرار المنافسة وتضع الاتحاد في مواجهة مفتوحة مع أحد أكبر الأندية السودانية.
شرارة عطبرة
انطلقت البطولة بنظام الذهاب والإياب، وسافر الهلال إلى مدينة عطبرة لمواجهة بطلها، دون لاعبيه الدوليين الموجودين في معسكر المنتخب.
لكن المفاجأة كانت في انتظار الأزرق، الذي خسر المواجهة خارج أرضه، ليعود إلى الخرطوم مطالباً بتغيير قواعد اللعبة.
ويستعيد شداد تلك اللحظات قائلاً إن إدارة الهلال خاطبت الاتحاد رسمياً، طالبة السماح للاعبيها الدوليين بالمشاركة في مباراة الإياب، لتعويض خسارة الذهاب.
غير أن الاتحاد رفض الطلب، متمسكاً بالقرار الذي وافقت عليه الأندية قبل انطلاق المنافسة.
وهنا بدأت العاصفة!
تحولت القضية إلى هجوم إعلامي وإداري عنيف على الاتحاد ورئيسه، وسط مطالبات بالتراجع عن القرار والسماح للهلال بالاستعانة بنجومه.
تحدٍّ مباشر
لم يتراجع شداد أمام الضغوط، ولم تنجح الحملة في تغيير موقف الاتحاد، لتشهد الأزمة تطوراً أكثر إثارة.
ويقول إن مجموعة من الهلال توجهت إلى معسكر المنتخب الوطني، وسحبت لاعبي النادي التسعة، في خطوة اعتبرها تحدياً مباشراً لسلطة الاتحاد وقراراته.
لكن الرد جاء حاسماً.
يقول شداد: لم ننحنِ للعاصفة، واعتبرنا الهلال خاسراً وخارج منافسة كأس السودان، واستمرت البطولة حتى نهايتها.
كان القرار بمثابة إعلان مواجهة مفتوحة، لأن الهلال لم يكن مستعداً لقبول خروجه من المنافسة دون خوض مباراة الإياب.
ثغرة قانونية
لم يرفع الهلال الراية البيضاء، بل نقل معركته إلى ميدان آخر، مستعيناً بمجموعة من القانونيين للبحث في لوائح الاتحاد الدولي المتعلقة باستدعاء اللاعبين لمنتخباتهم الوطنية.
وبينما كان شداد يستعد للسفر إلى سويسرا لحضور اجتماع خاص بالاتحاد الدولي، فوجئ بما نشرته الصحف من فتوى قانونية استند إليها الهلال، تفيد بأن الاتحاد لا يملك حق الاستعانة باللاعبين الدوليين إلا قبل 48 ساعة من المباراة.
وكانت الحجة أن المنتخب السوداني لم تكن تنتظره مباراة خلال تلك المدة، وبالتالي فإن استدعاء اللاعبين لمعسكر طويل يخالف اللوائح.
يعترف شداد بأن تلك كانت المرة الأولى التي شعر فيها بشيء من الانهزامية، خشية أن يخسر القضية وينهار مشروع إعداد المنتخب.
لكنه قرر ألا يستسلم.
مفاجأة سويسرا
وصل شداد إلى سويسرا، وهناك استعان بمحامٍ لمراجعة النص القانوني الذي استند إليه الهلال.
وجاءت المفاجأة التي أعادت إليه الثقة.
فبحسب روايته، أوضح المحامي أن الفقرة المتعلقة بمهلة الثماني والأربعين ساعة تخص اللاعبين المحترفين خارج بلدانهم، ولا تنطبق على الحالة التي أثارها الهلال.
وحصل شداد على النص الذي يدعم تفسيره، ليعود إلى السودان حاملاً ما اعتبره الدليل الحاسم على سلامة قرار الاتحاد.
وتوجه إلى النائب العام، حيث حصل، وفق روايته، على فتوى تؤيد موقف الاتحاد، بعدما كان الهلال قد تقدم بشكوى عبر أمانة الشباب اعتراضاً على قرار استبعاده من البطولة.
لكن الأزمة لم تكن قد وصلت إلى نهايتها.
انقلاب الفتوى
يروي شداد أن النائب العام عاد لاحقاً وأصدر فتوى ببطلان قرار الاتحاد، بعد ضغوط قال إنها مورست عليه من الهلال وأمانة الشباب.
وكان التحول مفاجئاً لرئيس الاتحاد، الذي وجد نفسه أمام موقف قانوني مختلف تماماً عن الفتوى الأولى.
ولم يتردد شداد في اتخاذ خطوة تصعيدية، إذ لجأ إلى المحكمة الدستورية طاعناً في فتوى النائب العام، ومتمسكاً بحق الاتحاد في إدارة مسابقاته وحماية برنامج المنتخب الوطني.
وهكذا انتقلت المعركة من المستطيل الأخضر إلى أعلى المستويات القضائية.
ليلة الحراسة
لكن الفصل الأكثر إثارة لم يكن في عطبرة أو سويسرا، وإنما أمام منزل شداد في يوم كان ينتظر فيه تكريماً رئاسياً.
فقد وقع الاختيار عليه أفضل إداري رياضي، إلى جانب قائد الهلال هيثم مصطفى أفضل لاعب، واتحاد ألعاب القوى أفضل اتحاد.
وفي اليوم المحدد للاحتفال، وبينما كان يستعد لمغادرة منزله، فوجئ برجل أمام منزله يخبره بأنه يحمل أمر قبض، وأن عليه مرافقته إلى قسم الشرطة.
امتثل شداد للأمر، وتوجه إلى القسم، حيث أُودع الحراسة!
ويقول إن الغرض من الخطوة كان حرمانه من حضور التكريم، عقاباً على موقفه في قضية استبعاد الهلال من كأس السودان.
وبينما كان خلف القضبان، علم عدد من المسؤولين بما حدث، فتوجهوا إلى القسم، ومن بينهم النائب العام ومحمد الشيخ مدني وعبد الباسط سبدرات، وعدد من امسؤولين، قبل أن يتم إطلاق سراحه.
تكريم مؤجل
وللمفارقة، فإن اليوم الذي كان مقرراً لتكريم الرياضيين خُصص لاحقاً لتكريم الدستوريين وغيرهم، وتأجل تكريم شداد وزملائه إلى موعد آخر.
ويستعيد شداد تلك المفارقة باعتبارها واحدة من أغرب محطات مسيرته، فقد انتهى الأمر بتكريمه بالفعل إلى جانب هيثم مصطفى واتحاد ألعاب القوى، بحضور رئيس الجمهورية في يوم آخر.
وهكذا لم ينجح أمر القبض، وفق روايته، في حرمانه من التكريم الذي كان ينتظره.
شهادة التاريخ
تكشف هذه الحكاية جانباً من شخصية شداد الإدارية، الذي ظل يؤكد أن القانون يجب أن يطبق على الجميع، دون تمييز بين الهلال والمريخ والموردة أو غيرها من الأندية.
كما تحمل رداً على الذين اعتادوا اتهامه بالانحياز للهلال، إذ يستشهد بهذه الواقعة للتأكيد على أنه لم يتردد في اتخاذ قرار صارم ضد النادي الأزرق عندما رأى أن اللوائح تستوجب ذلك.
وبغض النظر عن اختلاف المواقف حول قراراته، فإن قصة كأس السودان تبقى واحدة من أكثر الوقائع إثارة في تاريخ الإدارة الرياضية السودانية.
فهي حكاية بدأت بخسارة في عطبرة، ومرت بفتوى في سويسرا، ووصلت إلى المحكمة الدستورية وحراسة الشرطة، وانتهت بتكريم رئاسي.
وبين كل تلك المحطات، بقي شداد متمسكاً بموقف واحد: لا نادٍ فوق القانون، مهما كان اسمه أو جماهيريته أو نفوذه.













