صلاح محمد عبد الدائم (شكوكو)
تشير البيانات الديموغرافية إلى أن منطقة شرق آسيا تشهد تحولات سكانية كبيرة، مع دخول بعض دولها مرحلة الانكماش السكاني، وفي مقدمتها الصين واليابان وكوريا الجنوبية، إلى جانب تايوان.
وبحلول عام 2023، كانت مستويات الخصوبة أقل بنحو 40% من مستوى الإحلال في اليابان، وأكثر من 50% في الصين، ونحو 60% في تايوان، وحوالي 65% في كوريا الجنوبية.
أما القارة الأوروبية، فقد ظلت معدلات الخصوبة الإجمالية فيها أقل من مستوى الإحلال على مدى عقود طويلة.
وانخفضت معدلات الخصوبة في روسيا لأول مرة إلى ما دون مستوى الإحلال خلال ستينيات القرن العشرين، في عهد بريجنيف، ومنذ سقوط الاتحاد السوفيتي شهدت روسيا فترات طويلة تجاوزت فيها الوفيات أعداد المواليد.
ومثل روسيا، فإن الدول السبع والعشرين الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تعاني انخفاضاً في معدلات الخصوبة، التي تقل حالياً بنحو 30% عن مستوى الإحلال.
والمثير في المشهد أن دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تأثرت بدورها بموجة انخفاض معدلات الإنجاب، على خلاف الصورة التقليدية المرتبطة بالرغبة في تكوين أسر متوسطة أو كبيرة العدد.
هل ثمة خروج على هذه القاعدة؟ وهل توجد دولة بعينها لا تتناقص فيها الأعداد، بل تتزايد معدلات الخصوبة؟
من الأرقام الإحصائية للولايات المتحدة نجد أن تعداد سكان أميركا ارتفع من نحو 300 مليون نسمة إلى أكثر من 335 مليوناً، ما يجعلها حالة متميزة بين البلدان المتقدمة من حيث استمرار النمو السكاني.
وفي الداخل الأميركي تبدو مستويات الخصوبة أعلى نسبياً من بعض الدول المتقدمة، إلى جانب استمرار تدفقات المهاجرين، فيما بات يُعرف بظاهرة «الاستثنائية الديموغرافية الأميركية».
لكن، وعلى الرغم من ذلك، لم يعد انخفاض عدد السكان أمراً مستبعداً، فقد توقع مكتب الإحصاء الأميركي أن يبلغ عدد سكان الولايات المتحدة ذروته نحو عام 2080، قبل أن يتجه إلى الانخفاض.
ويبقى السؤال: هل هناك سبب مباشر لتراجع مستويات الخصوبة عالمياً؟
الحقيقة أن الأمر لا يزال يمثل لغزاً من نواحٍ عديدة، غير أنه يُعتقد أن النمو الاقتصادي والتقدم المادي، وما يسميه علماء السكان «التنمية المرتبطة بالتحديث»، من العوامل المؤثرة في انخفاض معدلات الإنجاب.
وبما أن تراجع معدلات المواليد تزامن مع صعود الغرب اقتصادياً واجتماعياً، ومع تحول العالم إلى مزيد من الثراء والصحة والتعليم والتحضر، فإن العديد من المراقبين يفترضون وجود علاقة وثيقة بين التقدم المادي وانخفاض الخصوبة.
وباختصار غير مخل، فإن تقلص عدد السكان من شأنه أن يقلب الإيقاعات الاجتماعية والاقتصادية المألوفة رأساً على عقب.
إذ ستضطر المجتمعات إلى تعديل توقعاتها لتتوافق مع الحقائق الجديدة المتمثلة في انخفاض أعداد العمال والمدخرين ودافعي الضرائب والمستأجرين ومشتري المساكن ورجال الأعمال والمبتكرين والمخترعين، وفي نهاية المطاف المستهلكين والناخبين.
وإضافة إلى ذلك، قد تؤدي شيخوخة السكان والانحدار السكاني المطول إلى إعاقة النمو الاقتصادي وزيادة الضغوط على أنظمة الرعاية الاجتماعية في البلدان الغنية، مما يهدد آفاق استمرار الرخاء فيها.
وهنا يحق لنا أن نتساءل ختاماً:
هل لهذا يبدو التركيز المتزايد على عالم الذكاء الاصطناعي باعتباره بديلاً محتملاً للعنصر البشري؟













