سطع مع الشباب وتعثر أولمبياً وعاد دولياً
موهبة استثنائية قد تفسدها الأضواء الزائدة والضغوط الجماهيرية
علي كورينا – آكشن سبورت
تستحق حالة الحارس الشاب محمد مصطفى القدال التوقف عندها طويلاً، باعتبارها واحدة من الحالات اللافتة في الكرة السودانية، بعدما شهدت مسيرته رحلة صعود متسارعة، اختصر خلالها مراحل كان يمكن أن تستغرق سنوات من التدرج واكتساب الخبرات، قبل الوصول إلى المنتخب الوطني الأول وارتداء شعار أحد أكبر الأندية السودانية.
ففي العادة، يحتاج اللاعب في مقتبل عمره إلى المرور بمحطات المنتخبات السنية، حتى يقوى عوده، وتنضج تجربته، وتترسخ ثقته بنفسه، قبل الانتقال إلى مستويات أعلى تتطلب قدراً أكبر من الجاهزية الفنية والذهنية.
لكن القدال اختصر كل تلك المراحل في عام واحد، خلال رحلة محفوفة بالمخاطر، شهدت بزوغ نجم لمع سريعاً في سماء الكرة السودانية، تماماً مثل ذلك الجسم الغريب الذي شق عتمة سماء السودان ليلة أمس، فأضاء للحظات قبل أن يتوارى عن الأنظار، تاركاً خلفه أكثر من سؤال وعلامة استفهام.
فمع منتخب الشباب، سطع نجم القدال بصورة لافتة، ووضع بصمة مهمة في مسيرة الكرة السودانية، بعدما أسهم في تتويج المنتخب بلقب بطولة سيكافا، وقيادته إلى نهائيات كأس الأمم الأفريقية للشباب، ليصبح اسمه حديث الشارع الرياضي، وتُفتح أمامه أبواب المجد مبكراً.
معركة شرسة
لم تمضِ ساعات على التألق اللافت للحارس الواعد مع منتخب الشباب، حتى اندلعت حوله واحدة من أشرس معارك التنافس على المواهب الشابة، بعدما وجد ناديه الشرطة القضارف نفسه، بين غمضة عين وانتباهتها، محاصراً بعروض مالية ضخمة من عملاقي الكرة السودانية، الهلال والمريخ، اللذين تسابقا للفوز بخدمات الحارس الذي خطف الأنظار.
تجاوز المريخ سقفه المالي المعتاد، الذي حرمه من حسم العديد من الصفقات، بينما أطلق الهلال العنان للمنافسة، ورفع وتيرة السباق حتى ظفر بخدمات القدال، في خطوة استهدف من خلالها مجلس إدارته تأمين الحاضر والمستقبل، والاستثمار في موهبة يُنتظر أن يكون لها شأن كبير في حراسة المرمى.
هزة مفاجئة
وجد مدرب المنتخب الأولمبي، الكابتن محمد محيي الدين الديبة، في التألق اللافت للقدال مع منتخب الشباب فرصة مثالية لتأمين مرمى المنتخب، فاستعان بخدماته بعد فترة وجيزة من بروزه في بطولة سيكافا.
غير أن الحارس الشاب لم ينجح في المحافظة على المستوى نفسه، بعدما وجد نفسه أمام اختبار أكثر صعوبة، وفي مواجهة أضواء كاشفة سُلّطت عليه بكثافة، وضغوط جماهيرية وإعلامية لم يعتد عليها.
وجاءت مشاركته أمام رواندا لتكشف عن تراجع محير في مستواه، بعدما ارتكب أخطاء مؤثرة أسهمت في خسارة المنتخب الأولمبي، لتتحول التجربة من محطة جديدة لتعزيز الثقة إلى هزة عنيفة أعادت طرح التساؤلات حول قدرته على التعامل مع الضغوط المصاحبة للصعود السريع.
غياب المعالجة
لم تجد الهزة التي تعرض لها القدال مع المنتخب الأولمبي الاستجابة المطلوبة، إذ كان ينبغي التعامل مع ما حدث باعتباره تعثراً طبيعياً لحارس صغير السن، يمتلك موهبة تستحق الرعاية والاهتمام، لا أن يتحول إلى مادة للسخرية والتندر.
فالقدال، بما أظهره من قدرات مع منتخب الشباب، يمثل ثروة كروية تستحق المحافظة عليها، والعمل على تصحيح مسارها، حتى تستفيد منها المنتخبات الوطنية خلال السنوات المقبلة.
لكن ما حدث كان مختلفاً، بعدما أصبح الحارس مادة للتجاذب بين أنصار القمة؛ فبعض جماهير المريخ رأت في تعثره دليلاً على صواب عدم إكمال التعاقد معه، بينما اعتبر بعض أنصار الهلال أن مجلس الإدارة تعجل في حسم الصفقة، وأن كل ما يلمع ليس ذهباً.
أما القدال، فقد وجد نفسه بعيداً عن الأضواء، مكتفياً بالتدريبات مع رديف الهلال، في مرحلة كان يحتاج خلالها إلى دعم فني ونفسي يعيد إليه توازنه وثقته بنفسه، بدلاً من تركه يواجه آثار التجربة القاسية وحده.
ومع مرور الوقت، تراجع الحديث عن الحارس الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، حتى كاد يصبح طي النسيان، رغم أن الفترة الفاصلة بين تألقه وتراجعه لم تكن طويلة.
عودة مفاجئة
لم تطل رحلة ابتعاد القدال عن الأضواء، إذ سرعان ما عاد إلى الواجهة من بوابة المنتخب الوطني الأول، بعدما وقع عليه الاختيار ضمن قائمة صقور الجديان، في خطوة تعكس مجدداً حجم التسارع الذي تشهده مسيرته الكروية.
وتمثل هذه العودة سلاحاً ذا حدين؛ فإما أن تمنحه دفعة معنوية كبيرة، وتعيده إلى طريق الإجادة والتألق، ليؤكد أنه حارس موهوب وصاحب قدرات استثنائية، وأن ما قدمه مع منتخب الشباب لم يكن وليد الصدفة أو ضربة حظ عابرة.
وإما أن تعيده إلى مواجهة الضغوط نفسها التي أثرت على مستواه أمام رواندا، خاصة إذا لم يجد المساندة المطلوبة، أو لم ينجح في التعامل مع حجم التوقعات التي تحيط به.
اختبار حقيقي
لا شك أن القدال يمتلك من الإمكانات ما يؤهله ليكون واحداً من أبرز حراس المرمى في السودان خلال السنوات المقبلة، لكن الموهبة وحدها لا تكفي لصناعة النجومية، ما لم تسندها شخصية قوية، وعقلية احترافية، وقدرة على تجاوز الإخفاقات والاستفادة من التجارب القاسية.
ومن هنا، فإن مسؤولية المحافظة على هذه الموهبة لا تقع على عاتق الحارس وحده، بل تمتد إلى الأجهزة الفنية للمنتخبات الوطنية ونادي الهلال، المطالبة بالتعامل معه وفق برنامج مدروس، يوازن بين تطوير قدراته ومنحه الفرص المناسبة، بعيداً عن الاستعجال في صناعة نجم قبل اكتمال نضجه.
فالقدال لا يحتاج إلى مزيد من الإضاءة بقدر حاجته إلى بيئة تساعده على النمو الطبيعي، وتحميه من المبالغة في الإشادة عند التألق، والقسوة في الانتقاد عند التعثر.
كلمة أخيرة
تبقى الكرة الآن في ملعب القدال، ليؤكد أن موهبته الحقيقية هي التي وضعته في هذا الموقع المميز، بعدما اختصر سنوات من الركض والقفز بين المنتخبات السنية في عام واحد.
وأمام الحارس الشاب فرصة ثمينة لإثبات أن ما حدث أمام رواندا لم يكن سوى كبوة عابرة في مسيرة واعدة، وأن العودة إلى المنتخب الأول تمثل بداية مرحلة جديدة من النضج والتألق.
فالموهبة التي تصعد بسرعة البرق تحتاج إلى قدر كبير من الحكمة حتى لا تسقط بالسرعة نفسها، والنجومية الحقيقية لا تُقاس بسرعة الوصول إلى القمة، وإنما بالقدرة على البقاء فيها.













