بسيطًا، متواضعًا، نقيَّ الدواخل، عميقَ الفهم
لم تغيّره المناصب… وبقي شغوفًا بالعلم والمعرفة
كان مُلهِمًا لزملائه ومحفزًا على العطاء والإبداع والتميّز
الوفاء لأساتذته وزملائه… سِمة راسخة في شخصيته
أحمد نصر ـ آكشن سبورت
قبل أن أعرفه شخصيًا، عرفته بالطبع كمستمع من خلال الراديو، اسمًا اكتسب شهرته عبر العديد من البرامج الإذاعية والتمثيليات والمسلسلات التي كان يقوم بإخراجها.
وعندما عرفته شخصيًا بعد ذلك، كنت أقول عنه دائمًا إنه «شخصية مريحة»؛ تشعر بالراحة في التعامل معه دون أي تعقيدات أو تكلّف، لأنه يحمل روحًا فنانة تنسجم في تفاصيل تواصله وسلوكه مع من هم حوله من زملاء وأصدقاء وممثلين وفنانين وشعراء وصحفيين ومعجبين.
شخصية مريحة تحس بالراحة في تعاملك معه.
بسيط، متواضع، نقي الدواخل، طيب، بشوش، مرح، وعميق الفهم. مباشر في حديثه معك دون غموض أو التفاف أو إيحاءات، تلقائي، تجد نفسك متدفقًا في الحديث معه بعفوية.
كان يتمتع بشفافية قلّ أن تجدها؛ يقول لك ما يريد قوله أمامك، ولا يقول من وراءك ما يسوؤك، فهو يواجهك بهدوء بما يريد أن يقوله. وإذا أراد أن يوجه إليك عتابًا أو نقدًا، فإنه بذات الهدوء وبمحبة يقوله لك دون أن تغادره بشاشته.
أما إذا اختلف معك، فإن الاختلاف لا يتجاوز إطار محبته لك، ولا يشوّش صورتك في عيونه ولا مكانتك في دواخله مهما كان الخلاف. وكان ذلك سرّ محبة من هم حوله له. يقابل ذلك مقدرته العجيبة على أن يمنح كل واحد ممن حوله الإحساس والاقتناع بأنه هو، دون سواه، من أقرب وأحب الناس إليه.
مضافًا إلى ذلك كله، ميزة الوفاء لكل من يعرفهم؛ الوفاء لهم في كل الأوقات والمواقف، يسأل ويزور، ويساهم في حالات الاحتياج، ويشارك في كل المناسبات دون تأخير.
كل هذه الصفات الأصيلة النبيلة التي كان يمتلكها صلاح الدين الفاضل كانت أيضًا جزءًا لا يتجزأ من تكوينه كفنان، مبدع، مهموم بتطوير نفسه وأدواته بالعلم والمعرفة، دراسةً وقراءاتٍ متنوعة.
بدأ بمعهد الموسيقى والمسرح، ثم الماجستير والدراسات العليا، حتى وصل إلى درجة البروفيسور. كانت رسالته في الماجستير عن «دلالة المكان في أعمال الطيب صالح الروائي»، ونال البروفيسور في الدراما الإذاعية.
وطيلة مشواره مخرجًا، وكبيرًا للمخرجين، ومديرًا لإدارة الدراما، ومديرًا للإذاعة، ثم محاضرًا جامعيًا وعميد كليات إعلام… ظل صلاح الدين الفاضل كما هو، ببساطته وتواضعه وطيبته وبشاشته، شفافًا نقيًا، شغوفًا باكتساب المزيد من المعرفة والعلم، إلى جانب شغفه بالقراءة المتنوعة في مختلف المجالات.
وكان صاحب أفكار ومبادرات خلاقة؛ فهو صاحب فكرة «فترة المنوعات» التي تُقدَّم سنويًا في رمضان منذ سنوات طويلة وما زالت تُقدَّم حتى الآن. كما كان وراء فكرة إذاعة «البرنامج الثاني» الناجحة والمتميزة.
وكان أيضًا صاحب فكرة أرشفة مكتبة الإذاعة بكل محتوياتها منذ تأسيسها من برامج وسهرات وأغانٍ وغيرها، وتحويلها إلى أرشفة رقمية. وعندما بدأ تنفيذ الفكرة، لم تكن أشهر الإذاعات قد فكرت في ذلك، بما فيها إذاعة الـ(BBC)، وللأسف لم يكتمل تنفيذ الفكرة.
عندما أصبح صلاح الدين الفاضل مديرًا للإذاعة، شهدت الإذاعة تطورًا نوعيًا كبيرًا على مستوى برامجها، وكذلك كوادرها، الذين كان يحفزهم على الدراسة وأهمية اكتساب المزيد من العلم في ظل التقنيات الجديدة. كان ملهمًا لزملائه في العطاء والإبداع، محفزًا ومحرضًا لهم، فلا مجال للكسل أو الإحباط.
كما أن أجمل ما قام به كان وفاءه لأساتذته وأبناء جيله ممن تقاعدوا عن العمل.
وإذا تحدثنا عن جهده وعطائه خلال نحو خمسين عامًا وهب فيها نفسه وفنه للعمل الإعلامي الإذاعي، فإن ذلك يحتاج إلى صفحات.
وعلى سبيل المثال، فإن إخراجه للعديد من البرامج والتمثيليات والمسلسلات كان عنوانًا واضحًا لتميّزه ونجاحه. كان صاحب مدرسة «فن الرؤية عبر الأذن»، المدرسة التي نفذ منهجها الفريد والمبهر بإتقان. وبفضل هذه المدرسة تحولت البرامج التي أخرجها إلى أعمال جاذبة وناجحة، وتحولت المسلسلات الإذاعية التي أخرجها إلى حكايات واقعية نشاهد شخصياتها في تفاصيل حياتنا تمشي بيننا، ونستمتع بحكاياتها وحواراتها وانفعالاتها وضحكاتها وخيباتها ومواجعها وأفراحها.
وكان موعد إذاعة المسلسل في الخامسة إلا ربع عصرًا طقسًا أسريًا تلتف فيه الأسرة حول الراديو، بعد الجملة الشهيرة المحفوظة: «الإذاعة السودانية تقدم…».
ومن منا ينسى مسلسلات: «خطوبة سهير»، «حكاية نادية»، «اللسان المقطوع»، «كشك ناصية»، «المنضرة»، تأليف الكاتب الدرامي حمدنا الله عبد القادر.
ومن ينسى «الحراز والمطر» و**«قطار الهم»**، تأليف هاشم صديق.
وبفضل هذه المدرسة، تعلم من منهجها العديد من زملائه وطلابه، فألهمتهم التميز والنجاح.
وعندما غادر صلاح الدين الفاضل الإذاعة، عمل محاضرًا بجامعة الخرطوم، ثم عميدًا لأكاديمية السودان للعلوم والاتصال، وعميدًا لكلية الإعلام بجامعة السودان الأهلية، ليكسب حب طلابه الذين التفوا حوله ينهلون من علمه وخبراته، ويستأنسون ببساطته وتواضعه.
ولا ننسى أيضًا ما قدمه من بحوث ودراسات، وإشرافه على بحوث ودرجات علمية متعددة.
رحم الله صلاح الدين الفاضل، الخبير الإعلامي الذي افتقدته بلادنا، رحمه الله وغفر له، وأسكنه فسيح جناته.












