أفق بعيد
سيف الدين خواجة
ما كان لهذا الأمير أن يتبسط هكذا لولا فنون الإبداع وجنونه التي تسكنه؛ إنه الأمير إبراهيم بن المهدي، أمير المؤمنين في الدولة العباسية، الذي كان وسيماً، مبنىً ومعنىً، عازفاً ومغنياً لا يُشق له غبار. وقيل إنه لو تفرغ لفنه بعيداً عن أعباء الإمارة وأحكامها، لتفوّق على الموصلي في مهنته الأشهر. لكن أحكام الإمارة حبسته داخل أسوارها، بين الرصافة والجسر، وعيون المها على النهر.
خطر له ذات يوم أن يتبسط ويسوح في شوارع بغداد، بعيداً عن حمولات الإمارة. فإذا بأنفه المبدع تلتقط في أحد الأزقة رائحة طعام تأخذ بمجامع الإحساس، فتشده شداً بلا إرادة إلى مصدرها. وما إن بلغ المكان حتى امتدت يد جميلة، تجملت بها الحناء أكثر مما تجمل الحناء اليد … وفتحت قلب الأمير على مصراعيه. عندها فقد ما تبقى من وعيه، وصار هدفه أن يدخل ذلك البيت الذي أصابه بسهمين: أحدهما في المزاج، والآخر في القلب والوجدان. وما أدراك ما قلب الفنان!
ظل يتحين الفرصة حتى لمح شباباً يطرقون الباب، فاختلط بهم ودخل. كانوا أبناء تجار اعتادوا السمر في ذلك البيت. لم يمض وقت طويل حتى حضرت جارية بعود وطبل ومزمار، ودار عصير القعدة بالكؤوس، ومالت الرؤوس طرباً ونشوة. فجأة صرخ الأمير، كأنما مسته صاعقة، إذ أخطأت الجارية في اللحن والإيقاع. فأخذ العود منها، وأصلح اللحن، وأدهش الحاضرين، حتى طلبوا المزيد، فاعتذر. عندها بدأ صاحب البيت يتوجس منه، ويتبادلان نظرات فيها الكثير من الحذر.
وبعد انفضاض السامر، أفصح الأمير عن هويته لصاحب الدار، فعرض عليه أخواته منقبات، لا يظهر منهن سوى اليدين، فاختار صاحبة اليد التي فتحت قلبه، ودخل بها سراً إلى بيت مجاور بعيداً عن أعين القصر، واختفى أربعة أيام. ولم ينتبه لغيابه إلا الأمير المأمون، الذكي الفطن، الذي سأله عن أمره. فلما أخبره بالقصة، سرّ لذلك، لما يعلم من طبيعة أهل الإبداع. هكذا، من رائحة طعام ويدٍ جميلة وقعدة عامرة، تزوج الأمير!
شيء من ذلك كان يحدث في قعداتنا؛ قعدات تجبر الخاطر، وتطرب الوجدان، وتكسر رتابة الأيام، وتغسل القلوب من أدران النهار وأحزانه، وتجدد النشاط ليوم جديد.
كان صاحبنا يتجول ليلاً في أم درمان على ظهر دراجته، فإذا بصوت الكروان الجديد، خوجلي، يجذبه من بعيد. يدخل المكان، يحمل عوده، ويجلس يعزف ويغني بمزاج عالٍ وشهية مفتوحة للحياة. وما إن انتهى، حتى نهض وربت على كتف خوجلي قائلاً: «يا ابني، أنت فنان جاهز. صوتك دا جابني من بعيد، والإذاعة من هنا قريبة». ثم انصرف كما دخل. فسأل أحد الحاضرين: «هل عرفتم هذا الفنان؟» قالوا: «لا، شخص غريب دخل وخرج بلا مقدمات!» فقال لهم: «هذا قانون الكرة السودانية، لاعب المريخ والمنتخب برعي أحمد البشير!»
وقعدة أخرى في بريطانيا، كان شاعرنا الكبير اللواء عوض أحمد خليفة في بعثة، يهمّ باستقلال القطار إلى برمنجهام، وأغنية «عشرة الأيام» تداعبه. وما إن استقر، حتى أخذ جيتار جارته العجوز الإنجليزية، وعزف الأغنية مترجمة إلى لغتهم، فغنوا معه، وطربوا، ورقصوا. قعدة لا يُرى لها مثيل.
لاحقاً، صارت «عشرة الأيام» أغنية الموسم، وفازت بالمركز الأول. وكانت لها طرفة حين علم اللواء حمد النيل ضيف الله بأن النميري أعاد صديقه، أول دفعته وحامل السيف، إلى الخدمة، ضاحكاً: «دي ما عشرة الأيام!» — تلك التي تمنى ملك الشعر الحلنقي أن تكون له.
كانت قعداتنا رمزاً للمحبة والتسامح… رمزاً لزمنٍ جميل.
رحم الله السودان الذي كان.












