نقطة سطر جديد
عباس الماحي
تزخر الحياة بحِكمٍ خالدة صيغت في عبارات قصيرة، لكنها تحمل تجارب إنسانية عميقة ودروسًا استمدها الناس من واقعهم عبر الزمن. لم تكن هذه الحِكم مجرد كلمات متداولة، بل خلاصة وعيٍ جمعي أدرك أن الإنسان لا يعيش بمعزلٍ عن غيره، وأن جودة حياته ترتبط بمن يحيطون به. ومن أبرز هذه الحكم: الجار قبل الدار، والرفيق قبل الطريق، والصديق وقت الضيق.
تجتمع هذه الأقوال في معنى واحد هو أهمية العلاقات الإنسانية وحُسن الاختيار؛ فليست الأماكن وحدها ما يمنح الطمأنينة، ولا الطرق وحدها ما تضمن سلامة المسير، بل الأشخاص الذين نشاركهم تفاصيل الحياة هم أساس الاستقرار النفسي والاجتماعي.
الجار قبل الدار
قيمة السكن لا تُقاس بجمال البناء أو فخامة الدار، بل بحُسن الجوار. فالجار الصالح نعمة تبعث الأمان وتنشر المودة والتعاون، وتجعل المكان مألوفًا ومريحًا. وجوده يخفف أعباء الحياة ويحوّل السكن إلى موطنٍ للسكينة.
أما الجار السيئ، فقد يحوّل أوسع البيوت إلى مصدر قلق وتوتر، ويجعل الحياة اليومية مشحونة بالمشاحنات. لذلك جاءت الحكمة لتؤكد أن اختيار البيئة الاجتماعية لا يقل أهمية عن اختيار المكان نفسه.
الرفيق قبل الطريق
الحياة رحلة مليئة بالتحديات، والطريق مهما بدا سهلاً قد يصبح شاقًا إن كان الرفيق غير صالح. فالرفيق شريك المسير، يؤثر في القرارات ويترك أثرًا عميقًا في السلوك. الرفيق الصالح يعين على الثبات، ويقدّم النصح بإخلاص، ويخفف مشقة الطريق مهما طال. أما الرفقة السيئة فقد تجرّ صاحبها إلى الضياع وتضاعف مشكلاته. ومن هنا كان حسن اختيار الرفيق حجر الأساس في نجاح الرحلة.
الصديق وقت الضيق
الصداقة الصادقة من أثمن النعم، ولا تُختبر في أوقات الرخاء بل في لحظات الشدة. الصديق الحقيقي هو من يحفظ السر، ويصون الكرامة، ويشارك الهم قبل الفرح، ويقف إلى جانب صديقه دون مصلحة أو انتظار مقابل. وجوده يمنح القوة والطمأنينة، حتى وإن عجز عن تغيير الواقع؛ فالدعم المعنوي الصادق يخفف الألم ويزرع الأمل.
وقد أثبتت التجارب أن الصداقة القائمة على الصدق والإخلاص قد تتحول إلى روابط متينة تضاهي روابط الدم، وتؤسس لعلاقات أسرية واجتماعية قائمة على الاحترام والتكافل.
إن هذه الحكم ليست أقوالًا مأثورة فحسب، بل منهج حياة يرشد الإنسان إلى سر الطمأنينة، ويدعوه لإعادة النظر في علاقاته. فالسعادة لا تُقاس بما نملك من بيوت أو بما نحقق من إنجازات، بل بوجود قلوب صادقة تحيط بنا. ومن أحسن اختيار علاقاته، فقد أحسن بناء حياته، ووضع أساسًا متينًا لأيام يسودها الأمان وتزهر فيها الطمأنينة، مهما اشتدت الظروف.












