في الصميم
حسن أحمد حسن
لم تعد الكلمات مجرّد وسيلة للتعبير، بل أصبحت أحيانًا أدوات حادّة تُقال بلا تفكير في أثرها. ومن بين أكثر العبارات تداولًا في سياق الرفض العاطفي أو الاجتماعي جملة: «قلبي أصلو ما رادك». عبارة قصيرة، لكنها محمّلة بدلالات قاسية تتجاوز معناها المباشر.
هذه الجملة لا تقول فقط إن المشاعر غير متبادلة، بل تُغلق الباب تمامًا، وتنهي الحوار من طرف واحد، وكأن الطرف الآخر لم يكن سوى محاولة غير جديرة بالتفكير. إنها صيغة رفض لا تترك مساحة للاحتواء أو الاحترام، بل تُشعر المتلقي بأن المشكلة فيه هو، لا في اختلاف المشاعر.
في المجتمعات الرقمية، حيث تغيب نبرة الصوت وتعابير الوجه، تصبح الكلمة أكثر حدّة. فما قد يُقال مازحًا أو ببرود في الواقع، يتحوّل على الشاشة إلى حكم قاطع. ومع كثرة التكرار، تبدأ مثل هذه العبارات في التطبيع مع القسوة، وكأن الفظاظة صارت دلالة على القوة والوضوح، بينما الحقيقة أنها غالبًا علامة على فقر في التعبير.
اللافت أن الرفض في حد ذاته ليس المشكلة؛ فمن حق أي شخص أن يختار، وأن يقول «لا» متى شاء. المشكلة تكمن في الكيفية. فهناك فرق شاسع بين قول: «لا يوجد قبول» أو «لا أشعر بتوافق»، وبين جملة تحمل إلغاءً صريحًا لمشاعر الآخر. الأولى ترفض العلاقة، أما الثانية فترفض الشخص.
يشير علم النفس الاجتماعي إلى أن الإنسان لا يتأذى من الرفض بقدر ما يتأذى من الإهانة المصاحبة له. فالرفض الواضح والمحترم يُغلق الجرح سريعًا، أما الرفض الجارح فيترك أثرًا طويل الأمد، قد يتحوّل إلى شك في الذات أو عزوف عن المحاولة مرة أخرى.
فهل نحتاج فعلًا إلى قول: «قلبي أصلو ما رادك»؟
أم أن الإنسانية تمنحنا دائمًا خيارات أهدأ… وأبقى؟
نقول ذلك بعدما كثرت قصص الرفض بهذا الأسلوب، خاصة عبر رسائل الهاتف، لا بالمواجهة الشخصية المباشرة، تجنبًا لردة الفعل المفاجئة التي قد تكون نتائجها غير محمودة، صدًا للكلمة الصادمة والجارحة الخارجة من الطرف الآخر.
نلاحظ أن كثيرًا من الخلافات وعدم التوافق بين الطرفين سببه اختيار بعض الجمل والألفاظ غير المستحبة، والتي تعني – كما يُقال – «خانه التعبير». فالكلمة الهينة اللينة المقبولة تصنع فارقًا كبيرًا. فالكلمة كالسيف؛ إن لم تُلحقها بتفسير أو تبرير، قد تقطع حبالًا كانت موصولة.
لذا نقول لبناتنا: أحسنّ اختيار الكلمات الصادرة من ألسنتكن أو من أنامل أصابعكن، فالكلمة أثر… وقد تبقى طويلًا.












